الأربعاء، 8 يناير، 2014

الصين و روسيا و نهاية "نهاية التاريخ"

نشرت في مجلة المجلة في العدد الورقي لشهر ديسمبر 2013
http://www.majalla.com/arb/2013/12/article55249217



يضطر الكثير من المسافرين الأجانب إلى الصين إلى تنبيه أصدقائهم على الشبكات الأجتماعية كتويتر و فيسبوك بأنهم مضطرين إلى الغياب قسرياً عن المشاركة و الرد في هذه الشبكات خلال فترة سفرهم و ذلك لأن الصين تحظر هذين الموقعين. و لأن الحاجة هي أم الإختراع فقد تمكنت شركات التقنية و البرمجيات الصينية من توفير بديل منافس لتويتر ممثلاً في شبكة "سينا ويبو" و التي يبلغ عدد المشاركين فيها حوالي 500 مليون أي تقريباً نفس عدد المشاركين في تويتر. الشركة المطورة لشبكة ويبو إقتبست الكثير من الخصائص الموجودة في تويتر كخاصية ال 140 حرف و إستخدام الهاشتاق و لكنها في نفس الوقت طورت خصائص تسمح بفرض رقابة صارمة على المحادثات في الشبكة تتماشى مع سياسة الحكومة الصينية في الرقابة على الإنترنت. شبكة ويبو هي نسخة مصغرة من الصورة السياسية للصين. نظام أوتوقراطي يرفض الديمقراطية علانية و يضع قيود صارمة على الحرية السياسية لكنه إستطاع تطويع الرأسمالية بشكل سمح له تحقيق نمو إقتصادي و صناعي و تكنولوجي مذهل. تشكل الصين اليوم رأس الحربة لقائمة الأنظمة السياسية الناجحة إقتصادياً و المستقرة سياسياً و لكنها في نفس الوقت غير ديمقراطية. هذه القائمة تشمل دول كبرى كالصين و روسيا و دول أصغر كسنغافورة و الإمارات. الصين و إلى جوارها روسيا تراهنان على أن نظامي الحزب الواحد في الصين و الدولة الأبوية في روسيا يضمنان أداء حكومي أكثر فاعلية بالإضافة إلى ضمان الإستقرار المجتمعي و هو رهان قد يجد أصداء واسعة في مناطق العالم التي شهدت عمليات التغيير السياسي فيها نحو الديمقراطية إضطرابات كبيرة تهدد وحدتها السياسية و سلامتها الإجتماعية.
في عام 1950 مثّلت إقتصادات الصين و البرازيل و الهند ما مجموعه 10% فقط من حجم الإقتصاد العالمي. لكن في عام 2050 و بحسب توقعات تقرير التنمية البشرية للعام 2013 و الصادر من الأمم المتحدة فإن إقتصادات هذه الدول الثلاث ستشكل 40% من حجم إقتصاد العالم. و قبل نحو 4 أعوام توقعت دراسة صادرة من بنك غولدمان ساكس بأن تكون دول ما يعرف بالبريك (BRIC) أي الصين و روسيا و الهند و البرازيل من ضمن أكبر 5 إقتصادات في العالم بحلول العام 2050 إلى جوار الولايات المتحدة متجاوزة بذلك إقتصادات القوى الغربية التقليدية أي ألمانيا و فرنسا و إنجلترا. و لئن بدى الحديث عن شكل الإقتصاد العالمي بعد 40 عام من اليوم ضرباً من التنجيم في ظل التغييرات الجيوسياسية و التحولات الإقتصادية التي تعصف بالعالم، فإن الأرقام الإقتصادية الحالية تشير إلى أنه و للمرة الأولى منذ 150 عام يتساوى مجموع الناتج المحلي للصين و البرازيل و الهند بنظيره من الدول الغربية الصناعية. هذه الأرقام و التحولات في موازين القوى الإقتصادية العالمية دفعت الأمم المتحدة لإختيار عبارة "صعود الجنوب" كعنوان فرعي لتقرير التنمية البشرية لهذا العام تعبيراً عن الصعود الغير مسبوق من ناحية الحجم و السرعة لدول العالم من خارج منظومة الدول الغربية. الفكرة الغربية كانت على الدوام هي أن الديمقراطية الليبرالية و معها الرأسمالية التي ترافقت مع الثورة الصناعية قادتا إلى إنتصار الغرب النهائي بنهاية القرن العشرين. لكن الصين و روسيا تمضيان في طريقهما لدحض هذه الفكرة بتبنيهما لنسخة معدلة من الرأسمالية و لفظهما للديمقراطية الليبرالية..
العام 2010
العام 2050
أمريكا
الصين
الصين
أمريكا
اليابان
الهند
المانيا
البرازيل
فرنسا
روسيا
جدول يبين أكبر إقتصادات العالم بين العام 2010 و توقعات العام 2050. المصدر: كتاب عالم ليس لأحد من تأليف تشارلز كوبشان
فكرة صعود قوى إقتصادية جديدة من خارج نصف الكرة الأرضية الغربي ليست بالشيء الجديد فقد تم طرحها مراراً منذ نهاية العقد الأخير من القرن الماضي. لكن هذه الفكرة تكتسب زخماً جديداً عندما يقترن الصعود الإقتصادي بصعود لأنظمة سياسية فاعلة بديلة للديمقراطيات الليبرالية و عندما تواجه هذه الديمقراطيات الليبرالية متاعب إقتصادية و إجتماعية بسبب العملية الديمقراطية نفسها. فالعواقب الوخيمة للأزمة الإقتصادية العالمية في العام 2009 و التي عانت منها معظم الإقتصادات الغربية وتجاوزتها الصين أظهرت فاعلية النظام الإقتصادي و السياسي في الصين و الذي يميل إلى التخطيط المركزي و تتبع فيه الحكومة سياسة محافظة في تنظيم السوق. و الصين تحديداً شكلت تحدياً لنظريات التحول الديمقراطي منذ السبعينات الميلادية. فعلى عكس ما توقعه الغرب، لم يؤد تحرير الإقتصاد الصيني و التحول بإتجاه إقتصاد السوق إلى إنفتاح سياسي و تحول ديمقراطي. و يرجع البعض السبب في ذلك إلى القيم الإجتماعية في الصين و التي تقدم مصلحة الجماعة و العائلة على الفرد على العكس من المجتمعات الغربية. لكن هناك سبب آخر أكثر إقناعاً ألا و هو مرونة و قدرة النظام في الصين ممثل في الحزب الشيوعي على التكيف مع التحولات السياسية و الإقتصادية. فبعد أن إستطاع النظام و بوحشية تجاوز الموجة الإحتجاجية الغاضبة في عام 1989 و بالتالي تفادي مصير الأنظمة الشيوعية حول العالم التي سقطت بنهاية ذلك العام، لجأ الحزب إلى إحتواء و جذب الطبقة المتوسطة الصينية من رجال الأعمال و العصاميين و التكنوقراط و هي الطبقة التي دائما ما يعول عليها في عملية التحول نحو الديمقراطية. و لقد كان العام 2001 فارقاً في تاريخ الحزب الشيوعي الصيني عندما أعلن رئيس الحزب وقتها "جيانغ زيمين" عن فتح أبواب الحزب لإنضمام رجال الأعمال محطماً بذلك الصورة النمطية التي تربط الأحزاب الشيوعية بالعمال و الفلاحين فقط و مدشناً تحالف بين النظام السياسي و القطاع الخاص في الصين و بالتالي شراكة في قطف ثمار النجاح الإقتصادي. إذ يشير الباحث الأمريكي تشارلز كوبشان الباحث في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي في كتابه "عالم ليس لأحد" بأن نحو ثلث رواد الأعمال في الصين هم أعضاء في الحزب الشيوعي. و يقدر عدد الأعضاء في الحزب الشيوعي الصيني اليوم بحوالي 80 مليون عضو. و لقد ساهم التوسع في ضم الأعضاء إلى الحزب الشيوعي الصيني في خلق نوع من التعددية الفكرية داخل الحزب و التي أثمرت في تبني الحزب لسياسات و برامج سياسية و إقتصادية فاعلة خصوصاً في مجال مكافحة الفساد. كما أن أحد أبرز ملامح التغيير في الحزب الشيوعي الصيني هو تبنيه لمفهوم القيادة الجماعية و التي تضمن عدم ظهور ديكتاتوريات فردية.
الأزمة الأخيرة التي واجهتها الحكومة الفيدرالية الأمريكية و التي أدت إلى إقفال جزئي لأنشطة الحكومة لمدة أسبوعين دفعت وزير الخارجية الأمريكي جون كيري إلى التحذير من أنها قد تؤثر على السياسية الخارجية لبلاده. و لكن ربما كان التوصيف الأكثر دقة و الذي لم يقله كيري هو أن هذه الأزمة تؤثر سلباً على صورة بلاده في الخارج و على صورة النظام الديمقراطي الذي تسعى الولايات المتحدة إلى تسويقه حول العالم. أو بشكلٍ أوضح فإن الأزمة تُظهر بأن النظام الديمقراطي في أحيانٍ كثيرة قد لا يكون النظام الأكثر فاعلية لإتخاذ القرار و هذا ما يسعى الكثير من المسؤولين الصينين إلى تأكيده و الرهان عليه. و قد يجادل بعض المحللين الأمريكيين بأن الأزمة هي في الحقيقة تعكس جوهر النظام الديمقراطي الذي يتطلب وجود أداة لتحقيق الضبط و التوازن من قبل الجهاز التشريعي و الرقابي في الدولة. لكن هذه الأداة في الواقع تفقد قيمتها عندما تصبح أداة سياسية تحد من فاعلية الحكومة و ستفقد أي معنى لها بالنسبة للألوف من الفقراء الأمريكيين الذين تسبب الإغلاق الجزئي للحكومة في حرمانهم من خدمات بنوك الطعام. كما أنها تصبح أداة مثيرة للسخرية عندما تسمح بممارسة المماطلة السياسية (Filibuster) في البرلمانات و لساعات قد تتجاوز العشرين ساعة في جلسة واحدة لتعطيل مشروع قرار كما فعل النائب الجمهوري الأمريكي تيد كروز مؤخراً. و في إستطلاع للرأي أجرته مؤسسة غالوب في شهر يونيو من هذا العام إحتل الكونغرس المركز الأخير من بين مجموعة من المؤسسات الأمريكية من حيث ثقة الناس بها. إذ عبر 10% فقط عن ثقتهم بالكونغرس من بين العينة التي خضعت للإستطلاع و هي النسبة الأقل التي تحصل عليها أي مؤسسة سياسية في أمريكا في تاريخ إستطلاعات غالوب. و من زاوية رؤية صينية و على الرغم من إنتهاكات حقوق الإنسان في الصين، فإن كل المؤسسات و الأدوات الديمقراطية في أمريكا لم تمنع وصول سياسيين للحكم تسببوا في قتل الألأف من الأبرياء في العراق و في إنتهاك حقوق الإنسان في سجون غوانتانموا.




في روسيا، عندما إندلعت الحركة الإحتجاجية في أواخر عام 2011 سعى الإعلام الغربي مدفوعاً بشيء من التفكير الرغائبي إلى تصوير هذه الإحتجاجات على أنها "ربيع روسي" كما فعل وقتها الكاتب الأمريكي توماس فريدمان. و لكن العاصفة، إن جاز لنا أن نسميها عاصفة، مضت و أنتصر الرئيس بوتين. و بغض النظر عن التقارير الغربية التي تتحدث عن الأساليب القمعية التي يتبعها بوتين و عن المعارضة التي تتطلع إلى بناء ديمقراطية ليبرالية في روسيا، فإن الأرقام تتحدث عن واقع مختلف و عن تصاعد الحنين إلى الحقبة السوفيتية و ليس إلى نموذج الديمقراطية الليبرالية. ففي إنتخابات برلمان 2011 صوت 20 مليون شخص لصالح الحزبين الشيوعي و الديمقراطي (يميني قومي) و هما حزبان معارضان لبوتين. و بالتالي حتى و لو أفترضنا جدلاً بأن الإنتخابات قد تم تزويرها لصالح حزب "روسيا المتحدة" الحاكم فإن البديل لن يكون ديمقراطياً غربياً بل قد يكون أكثر تشدداً من حزب بوتين.  و في إستطلاع للرأي أجراه مركز ليفادا البحثي في موسكو العام الماضي أشارت 22% فقط من العينة إلى أنها تنظر بشكل سلبي إلى الزعيم الروسي الدموي جوزيف ستالين. هذه الأرقام لا تعني بالضرورة الحنين إلى السياسات القمعية للإتحاد السوفييتي بقدر ما هو حنين إلى الدولة القوية و التي أنهارت في التسعينات وإرتبط إنهيارها في تلك الفترة بسياسة الرئيس الراحل بوريس يلتسين الذي سعى إلى تطبيق الديمقراطية الليبرالية و تفكيك المركزية فكانت النتيجة أن تسبب في ضعف سلطة الحكومة و إرتفاع معدلات الفساد و التضخم. و قد سعى بوتين منذ توليه الرئاسة و بعد ذلك رئاسة الوزراء إلى إعادة المركزية و ترسيخ مفهوم الدولة القوية مستنداً إلى فكرة أن العقلية الروسية تفضل مصلحة الجماعة بينما تفضل العقلية الأمريكية و الغربية عموما مصلحة الفرد كما ذكر في مقابلة مع قناة روسيا اليوم. و لقد سمح إرتفاع أسعار النفط و الغاز في السنوات العشر الأخيرة بتحقيق رخاء إقتصادي في روسيا و تحقيق نوع من السيادة الإقتصادية إذ يمثل الدين الخارجي لروسيا نحو 23% فقط من إجمالي الناتج القومي مقارنة بأمريكا و أغلب دول الإتحاد الأوربي التي يمثل الدين الخارجي فيها أكثر من 100% من الناتج القومي. لكن النفط قد يتحول إلى نقمة أو إلى ما يعرف بالمتلازمة الهولندية على المدى البعيد إذا ما عجزت روسيا عن تنويع مصادر دخلها و تطوير قطاعات صناعية تقلص من إعتمادها الكبير على الصادرات النفطية. و هذا ما تنبهت إليه الحكومة الروسية فأعلنت في عام 2010 عن برنامج لتنويع الإقتصاد و التركيز على تطوير صناعات البرمجيات و تقنيات النانو و الدواء و الطاقة النووية. في الوقت الراهن على الأقل، سمح النفط بالإضافة إلى الصناعة الحربية و الترسانة العسكرية الروسية لبوتين ببناء نظام سياسي أوتوقراطي ذو واجهة ديمقراطية يرسخ سلطة الدولة على حساب حرية الفرد لكنه يحظى بقبول لدى شعبه و يقدم بديل فاعل للديمقراطيات الليبرالية. و لقد ظهرت قدرات هذا النظام دولياً عندما تمكنت الديبلوماسية الروسية من إحباط الضربة العسكرية الأمريكية للنظام السوري ثم عادت فنجحت في تمرير مبادرة لنزع السلاح الكيماوي من نظام الأسد.
في عام 1984 و في مقالة له بمجلة العلوم السياسية الربع سنوية توقع المفكر الأمريكي صامويل هنتغنتون بأن إنتشار الديمقراطية الليبرالية قد وصل إلى مداه الأقصى و ذلك بسبب وجود دول و مناطق غير قابلة للتحول ديمقراطياً إما بسبب فقرها المزمن أو بسبب وجود عوائق ثقافية و إجتماعية. لكن الثورات الديمقراطية في جنوب شرق آسيا و في أوربا الشرقية خلال النصف الثاني من الثمانينات أثبتت خطأ تصور هنتغنتون و الذي أصدر عقب سقوط الشيوعية في أوروبا كتابه الشهير "الموجة الثالثة" ثم قام بعد ذلك تلميذه فرانسيس فوكوياما بإصدار نظريته الشهيرة "نهاية التاريخ" معلناً أن قيم الديمقراطية الليبرالية تمثل أفضل النظم السياسية التي يمكن أن تصل إليها البشرية. إلا أن تجارب نقل الديمقراطية الليبرالية لمناطق جديدة في العالم خلال السنوات العشر الأخيرة مضت بشكل سيء و مأساوي في بعض الأحيان. ففي أفغانستان و العراق فشلت تجربة فرض الديمقراطية بالقوة و أنتهت إلى دولة فاشلة في أفغانستان و دولة تواجه دوامة لا تنتهي من الإرهاب و الطائفية و التفكك السياسي في العراق. و في دول الربيع العربي تبدو صورة المستقبل شديدة القتامة و لا تخرج من سيناريوهات التفكك و الدولة الغير فاعلة. يقابل هذا صورة ساطعة لصعود إقتصادي و إستقرار سياسي لدول أوتقراطية كالصين و إلى حدما روسيا. لقد تخلصت الصين و روسيا من أعباء نشر الأيديولجية الشيوعية البغيضة و بالتالي أصبحت صورة البلدين أكثر قبولاً حول العالم. و إذا ما نجحت الدولتان في تسويق نظاميهما السياسيين بسلعتي النجاح الإقتصادي و الإستقرار السياسي و إضافة مسحة أكثر إنسانية لسياساتهما الداخلية الغير ديمقراطية فإنهما سيحظيان بقبول أكثر حول العالم و يفرضان صراع أفكار و قيم جديد في القرن الحادي و العشرين كما تنبأ بذلك المؤرخ الأمريكي روبيرت كاغان في كتابه "عودة التاريخ و نهاية الأحلام"
 

الجيش و الدولة في الشرق الأوسط بعد الثلاثين من يونيو

نشرت في مجلة المجلة بتاريخ 23 يوليو 2013



قبل عدة أيام، أقر البرلمان في تركيا تعديلاً على المادة 35 من القانون الخاص بالجيش التركي و التي شكلت في الماضي ذريعة قانونية سمحت للجيش بالتدخل سياسياً لحماية الجمهورية و الدستور من بعد إنقلاب عام 1960. التعديل الجديد الذي أقره نواب كل من حزبي العدالة و التنمية الحاكم و الشعب الجمهوري المعارض و أعترض عليه الحزب القومي الكمالي يحصر مهمة الجيش في حماية حدود الدولة من العدوان الخارجي و يلغي دوره التاريخي كحامي للدستور. هذا التعديل يأتي كخطوة جديدة في سبيل إخضاع المؤسسة العسكرية التركية للسلطة المدنية و ذلك تماشياً مع متطلبات الإتحاد الأوروبي و التي تشترط تعديلات جذرية في العلاقات المدنية العسكرية للسماح بإنضمام تركيا إلى الإتحاد الأوروبي. و خلال العامين الماضيين بدا و كأن العلاقات المدنية العسكرية أو العلاقة بين الجيش و الدولة في 3 من أهم دول الشرق الأوسط تتجه نحو صيغة جديدة تتفق مع تصور الدول الغربية و الديمقراطيات الليبرالية لهذه العلاقة وهو التصور الذي يستبعد أي دور سياسي للجيش في الدولة و يتوقع منه خضوعاً تاماً للسلطات المدنية المنتخبة. ففي تركيا في صيف العام 2011 قدم الجنرال أسيك كوسانر قائد أركان الجيش التركي و معه قادة الأفرع الرئيسية للجيش إستقالتهم لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بعد ساعات من إعلان فوز حزب العدالة و التنمية في الإنتخابات العامة. و قد فُسرت هذه الإستقالات الجماعية على أنها إحتجاج من الجيش التركي على المحاكمات المسيسة لأكثر من 300 من جنرالات و ضباط الجيش التركي بتهم التآمر للإنقلاب على نظام الحكم فيما عرف بمؤامرتي "المطرقة" و "إرغنيكون". و رأى المراقبون بأن إستقالات الجنرالات هي إعتراف بالأمر الواقع من قبلهم و قبول بخضوع الجيش التركي للسلطة المدنية بشكل غير مسبوق في تاريخ الجمهورية التركية. أما في مصر و في صيف العام الماضي تحديداً فقد أطاح الرئيس المعزول محمد مرسي و بشكل مفاجئ بقيادات المجلس العسكري الذي قاد مصر في المرحلة الإنتقالية المضطربة التي تلت ثورة يناير. و تقبل الجيش المصري عملية التغيير هذه بصمت على الرغم من مخالفتها للإعلان الدستوري المكمل و الذي تم إصداره قبيل إعلان نتائج إنتخابات الرئاسة المصرية. و في باكستان التي عرفت عبر تاريخها 3 إنقلابات عسكرية و علاقة متشابكة بين الجيش و السياسة، فقد بدأ فصل جديد و مختلف في هذه العلاقة بوصول الجنرال أشفق كياني إلى رئاسة الأركان بعد خروج برويز مشرف من الحكم سنة 2008. فقد تعهد كياني و في أكثر من مناسبة بأنه لا رغبة للجيش في الخوض في الشؤون السياسية في باكستان. و كان الجيش عند وعده خلال الإنتخابات العامة الأخيرة مطلع هذا العام حيث إلتزم الحياد في أشرافه على العملية الإنتخابية و تقبل الأحكام الصادرة بحق قائده الأعلى سابقا برويز مشرف و الذي حكم القضاء بمنعه من المشاركة في الإنتخابات و بوضعه تحت الإقامة الجبرية.
الدوائر الغربية إستقبلت هذه التحولات في العلاقة بين 3 من أكبر الجيوش في الشرق الأوسط و السلطات المدنية في بلدانها بالترحاب و أعتبرتها خطوة هامة في سبيل ترسيخ الديمقراطية. فالجيش في الديمقراطيات الليبرالية محايد و منفصل بشكل كبير عن عالم السياسة و السياسة الداخلية تحديداً. و الحالات النادرة التي يتم فيها إستدعاء القوات المسلحة إلى المشهد المحلي تكاد تنحصر في المساعدة أثناء الكوارث الطبيعية أو لحفظ الأمن في الحالات الإستثنائية كما حصل في أحداث الشغب في مدينة لوس أنجلوس الأمريكية عام 1992. هذا التصور للعلاقة بين الجيش و الدولة أسس له المفكر الأمريكي صامويل هنتنغتون قبل أكثر من نصف قرن في كتابه الشهير "الجندي و الدولة" و الذي أصبح أحد المراجع الرئيسية لدراسة العلاقة بين الجيش و السلطة المدنية. هنتنغتون حدد 5 نماذج للعلاقات المدنية العسكرية أحدها هو النموذج الذي تسود في مجتمعه أيديولجية معادية للعسكرية و يفتقد الجيش فيه للقوة السياسية مع إحتفاظه بدرجة عالية من الإحترافية و الكفاءة. و قد ربط هنتغنتون بين درجة إحترافية الجيش و إبتعاده عن السياسة. و بشكل عام هذا النموذج هو السائد في أمريكا و باقي الديمقراطيات الغربية. و لا تبدو هناك إشكالية حقيقية في تطبيق هذا النموذج في الديمقراطيات الغربية لأسباب عدة أولها أن أمريكا و الدول الغربية و منذ إنتهاء الحرب الباردة لا تواجه أخطار عدائية تهدد سلامة حدودها بشكل مباشر. وفي الحالات القليلة التي واجهت هذه الدول خطراً يمس أمنها القومي بشكل جاد كما حصل لأمريكا خلال أحداث سبتمبر و ما تلاها من عمليات عسكرية خارج الحدود وقع إشتباك في العلاقات المدنية العسكرية دل عليه الخلافات بين وزير الدفاع أنذاك دونالد رمسفيلد و القيادات العسكرية الأمريكية في مرحلة ما بعد غزو العراق. أما السبب الثاني فهو أن الديمقراطيات الغربية قد حسمت و منذ نهاية الحرب العالمية الثانية صراعاتها الأيديولوجية و تخطت مرحلة التحولات الكبرى و أصبحت بوصلتها من الناحية الأخلاقية و الثقافية تدور في إتجاه الليبرالية و الحريات الفردية. فمن المستبعد اليوم أن تصل إلى حكم هذه الدول أحزاب أو مجموعات تستطيع تغيير هوية المجتمع و تفرض عليه أيديولوجية جديدة قد تؤثر على المؤسسة العسكرية.
و عندما قرر الجيش المصري الإنحياز إلى الأرادة الشعبية الواسعة و أطاح بنظام الإخوان المسلمين "المنتخب" في الثالث من يوليو الماضي وقعت الكثير من الدوائر السياسية و وسائل الإعلام الغربية في فخ الحكم على الحركة التصحيحية للجيش من نفس العدسة التي تنظر بها إلى العلاقات المدنية العسكرية في الديمقراطيات الغربية. فكان أن قرأت هذه الدوائر ما جرى في مصر على أنه خطوة سيئة و إنقلاب على الديمقراطية. لكن هذه القراءة و بغض النظر عن التوصيف التقني لما حدث في مصر (ثورة أو إنقلاب) تتجاهل الكثير من الحقائق الصلبة على أرضية الشرق الأوسط. فعلى العكس من الديمقراطيات الغربية فإن صراعات الهوية و الأيديولوجية لم تحسم بعد في المنطقة. فإذا كان من المستبعد تماماً أن تصل جماعات النازيين الجدد إلى الحكم في المانيا على سبيل المثال فإن الجماعات الدينية المتطرفة و الغير ديمقراطية بإمكانها تحقيق إنتصارات كبيرة في الإنتخابات في كثير من دول الشرق الأوسط و هو ما قد يهدد السلم الأهلي في هذه الدول و يهدد هوية و عقيدة جيوشها. و هذا نوع من التحدي لا تواجهه المؤسسات العسكرية في الديمقراطيات الغربية. كذلك فإن منطقة الشرق الأوسط ليست الواحة الأكثر أماناً في العالم فالحدود السياسية فيها كانت و لا زالت عرضة للتغييرات و للتهديدات من عدة أطراف داخل و خارج المنطقة. فدولة مثل مصر على سبيل المثال تجاور إسرائيل التي خاضت ضدها أربع حروب كما تواجه تهديدات إنفصالية و إرهابية داخل سيناء و تواجه خطراً على أمنها المائي من أثيوبيا. و تركيا تجاور دولتين في طور التفكك إلى دويلات إثنية و مذهبية قد تشكل إلهاماً للأقليات الكردية و العلوية في تركيا. بالتالي لا يمكن مقارنة العلاقات المدنية العسكرية في هذه الدول التي تقع في محيط مضطرب سياسياً و أمنياً  بنظيرتها في الدول الغربية التي تعيش في حالة من السلم على أراضيها منذ إنتهاء الحرب العالمية الثانية.
 لكن تظل المشكلة الأكبر في القراءة الغربية الحالية للعلاقات المدنية العسكرية في الشرق الأوسط هي في تجاهلها للجانب الإجتماعي و الشعبوي لهذه العلاقات و هو جانب مهم جداً اذ يذكر عالم الإجتماع الأمريكي موريس جانويتز و هو أحد مؤسسي علم الإجتماع العسكري بأنه لا يمكن فهم طبيعة أي جيش من دون فهم طبيعة المجتمع الذي ينتمي إليه. و في الشرق الأوسط تحظى الجيوش الوطنية  بدرجة كبيرة من الإحترام و الشعبية بين أوساط المجتمع تتفوق في أحياناً كثيرة على شعبية النخب المدنية. و الأسباب لهذه الشعبية تتعدد ما بين إعتماد التجنيد الإجباري الذي وسع من إنضمام كافة الطبقات الإجتماعية إلى الجيش و هذا شكل فرصة لإرتقاء الطبقات الإجتماعية المسحوقة إضافة إلى تاريخ هذه الجيوش في الحروب الخارجية. ففي مصر يوصف أفراد الجيش على الصعيد الشعبي ب"خير أجناد الأرض" إستناداً إلى الحديث النبوي الشريف يقابل ذلك في تركيا المقولة الشهيرة بأن "كل تركي يولد كجندي". فالجيش سواء في مصر أو في تركيا إرتبط في الأذهان بكونه مؤسس الدولة الحديثة عبر ثورة الثالث و العشرين من يوليو في مصر و حرب إستقلال تركيا عام 1923. و بالإضافة إلى الرصيد البطولي للجيشين في حروب مصر مع إسرائيل و حرب إستقلال تركيا فإن كل من  الجيشين مثلا أيضا قوى الحداثة و التطوير و خصوصاً في بدايات إنشاء الجمهوريتين. ففي تركيا أدخلت مجموعة الضباط في حركة تركيا الفتاة مفاهيم القومية و الدولة الوطنية الحديثة للمجتمع و ذلك عبر ثورة العام 1908 و بعد ذلك بنحو 40 عام دشن الجنرال عصمت إينونو الإنتقال الديمقراطي من حكم الحزب الواحد إلى التعددية الحزبية من دون ضغوط شعبية داخلية. و الجيش في مصر هو أيضاً قام بدور حداثي و تنويري عندما أنهى الإقطاع و أقر قوانين الإصلاح الزراعي بعد أن عجزت النخب المدنية السياسية طيلة الثلاثين عام التي سبقت ثورة يوليو في تحقيق طموحات و حقوق ملايين الفلاحين المصريين. و في كل من البلدين دائما ما كان ينظر إلى الجيش على أنه المؤسسة الأكثر إحترافية و تنظيماً و الأقل فساداً. هذه الشعبية و الثقة في المؤسسة العسكرية عبر التاريخ الحديث للبلدين أعطى تفويضاً شعبياً غير مكتوب يسمح بل و يتوقع من هذه المؤسسة التدخل سياسياً عندما يعجز السياسيون في حل المشاكل.



في مايو من العام 1960 قامت مجموعة من ضباط الصف الثاني في الجيش التركي بالإطاحة بحكومة عدنان مندريس و إعتقاله إلى جانب رئيس الجمهورية و قيادات الحكومة. تحركت هذه المجموعة من الضباط إستجابة للتظاهرات التي شهدتها المدن الكبرى في تركيا إحتجاجاً على تصرفات حكومة مندريس المكارثية و التي حظرت الصحف و أعتقلت الصحفيين المعارضين و أنشأت قبل أسابيع من الإنقلاب مفوضية برلمانية ينتمي جميع أعضائها إلى الحزب الحاكم بغرض التحقيق في ما أسمته بالتصرفات العدائية لأحزاب المعارضة و قامت المفوضية فيما بعد بتعليق المشاركة السياسية لمجموعة من أحزاب المعارضة. كل هذه الظروف إضافة إلى السياسة الإقتصادية لحكومة مندريس و بوادر تقاربها مع الإتحاد السوفييتي و التي رأى الضباط أنها تخالف المبادىء الكمالية أدت إلى تحرك الجيش للتدخل سياسياً وسط تأييد الشارع. و في كل مرة تدخل الجيش التركي فيها سياسياً لم يجد صعوبة في إكتساب شرعية لتدخله و سارع في كل مرة أيضاً إلى تسليم السلطة إلى حكومة مدنية و لم يحكم مباشرة كما في الديكتاتوريات العسكرية الكلاسيكية في أمريكا الجنوبية. و في حين أعتقد الكثير من المحللين بأن زمن تدخل الجيوش مباشرة لتغيير السلطات المدنية على غرار ما حدث في تركيا عام 1960 قد ولى من المنطقة، جاءت الحركة التصحيحية للجيش المصري أو ما يعرف الأن بثورة الثلاثين من يونيو لتعيد الحسابات. لم يستند الجيش المصري في تدخله إلى بند دستوري بقدر ما أستند إلى واجب وطني تاريخي "غير مكتوب" و لكنه مرحب به إجتماعياً و شعبياً في الإطار الغير رسمي للعلاقات المدنية العسكرية. إن نجاح الجيش المصري في كسب التأييد السياسي أو على الأقل عدم إدانة تدخله من قبل الكثير من القوى الدولية المؤثرة سيشكل دافع قوي لإعادة إحياء الصيغة القديمة للعلاقات المدنية العسكرية في الشرق الأوسط و التي تعطي للمؤسسة العسكرية حق الضبط و التوازن و التدخل السياسي من دون الحكم المباشر. و ربما تتكرر التجربة المصرية في دول أخرى في المنطقة. و قد تشهد تركيا مستقبلاً تجربة مشابهة أقل حدية خصوصاً في ظل وجود أزمات مؤجلة قابلة للإنفجار سواء داخلية كمسألة الدستور الجديد و الذي قد يغير من هوية الدولة و يزيد من حالة الإستقطاب السياسي الحاد أو تعثر مفاوضات السلام مع حزب العمال الكردستاني أو حتى تعثر عملية الإنضمام إلى الإتحاد الأوروبي و أزمات خارجية كأحتمال ظهور دولة علوية و دويلة كردية في سوريا قد تهددان الخريطة السياسية للدولة التركية.

العلمانية في العالم العربي .. مفترية أم مفترى عليها

نشرت في مجلة المجلة بتاريخ 1 يوليو 2013
http://www.majalla.com/arb/2013/07/article55246232



في خطاب سبتمبر 1981 الشهير وصف الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات نفسه بأنه "رئيس مسلم لدولة إسلامية". و في نفس الخطاب تهكم السادات على معارضيه من حزب التجمع اليساري العلماني واصفاً المنتسبين إليه "بالملحدين".و سبق ذلك بنحو عام تعديل المادة الثانية في الدستور المصري لتنص على أن الإسلام هو دين الدولة و مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع بعد أن كانت مجرد مصدر من مصادر التشريع في دستور عام 1971. و لم تكن تلك النصوص الدستورية مجرد حبر على الورق بل أخذت طريقها إلى التطبيق الفعلي خلال السبعينات الميلادية و ذلك في المؤسسات الثقافية و التعليمية و حتى التشريعية إذ عكف مجلس الشعب المصري برئاسة رئيس المجلس أنذاك الدكتور صوفي أبو طالب على إعداد مشروع ضخم لتقنين الشريعة الإسلامية تمهيداً لتطبيقها. و مع ذلك لم تكن تلك الصبغة الدينية القوية التي غلف بها السادات مصر في السبعينات كافية لحمايته من غدر الإسلاميين. ذلك أنه و بعد أسابيع قليلة من خطابه الشهير كان على موعد مأساوي مع الإغتيال على يد الجماعات الإسلامية. كذلك لم يكن تضمين الدستور نصوصاً تقر الهوية الدينية للدولة كافياً لإثناء الإسلاميين عن رفع شعارهم الشهير في السبعينات و الثمانينات "الإسلام هو الحل". و في الواقع لم تكن مصر السادات هي الدولة العربية الوحيدة التي إختلط فيها الدين و الدولة دستورياً. فحتى أكثر الدول العربية التي توصم بالعلمانية كتونس بورقيبة و عراق البعث و الجزائر الإشتراكية ظلت دساتريها تنص على أن الإسلام هو دين الدولة و في أغلب الأحيان تنص على ضرورة أن يكون رأس الدولة مسلماً و هذه مواد دستورية تتناقض مع فكرة علمانية الدولة. و قد يجادل البعض هنا بأن مجرد ورود نصوص دستورية تنص على إسلامية الدولة لا يعني بالضرورة أنها طبقت على أرض الواقع و أن هذه النصوص هي في الأغلب جزء من لعبة سياسية. و هذا رأي قد يحمل درجة من الصحة و لكنه أيضاً يتناقض مع حالات كثيرة رضخت فيها الدولة في العالم العربي إلى رغبات المؤسسات الدينية في قضايا جدلية و فرضت فيها الفتوى الدينية سطوتها على القانون. من الأمثلة على ذلك حظر رواية المؤلف السوري حيدر حيدر "وليمة لأعشاب البحر" في عدة دول عربية و حكم القضاء المصري بردة المفكر نصر حامد أبوزيد و تفريقه عن زوجته و محاكمة الشاعر الأردني موسى الحوامدة في الأردن بتهمة الردة وقبل ذلك بعقود طويلة و خلال العصر الليبرالي العربي في عشرينات القرن الماضي كانت الحادثة الشهيرة التي قامت فيها مؤسسة الأزهر و بإيعاز من الملك فؤاد بسحب شهادة الشيخ الأزهري علي عبدالرازق بعد أن أشار في كتابه الشهير "الإسلام و أصول الحكم" بأن العلمانية لا تتنافى مع الإسلام . و في كل الأحوال فإنه يمكن القول بأن نموذج العلمانية الإقصائية التي تبعد الدين من الحياة العامة كما هي الحال في فرنسا و تركيا الكمالية لم يكن حاضراً في معظم الدول العربية ذلك أن القوانين التي تحظر الحجاب في الأماكن العامة أو تمنع التعليم الديني في المدارس أو ترفض إحياء المناسبات الدينية لم يكن لها حضور في حالة الدول العربية ربما بإستثناء تونس. 



ولقد ظلت تهمة "العلمانية" تلاحق الأنظمة العربية منذ نشأة الدول العربية في النصف الأول من القرن العشرين و حتى وصول الإسلاميين إلى الحكم في عام 2011. بل إن المفارقة أن الإخوان المسلمين في مصر و النهضة في تونس و اللذان إستمدا جزء من شعبيتهما في الماضي عبر الترويج لفكرة علمانية الأنظمة العربية و عدائها للإسلام طالتهما سهام الإتهام بالعلمنة عقب الوصول للحكم و ذلك من قبل السلفيين و الحركات الجهادية. و لعل الأسباب الرئيسية التي ساهمت في الرواج الشعبي للتصور القائل بعلمانية الأنظمة العربية هي العداء المتبادل بين هذه الأنظمة و جماعات الإسلام السياسي أولاً و مسألة تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية ثانياً. بالنسبة للسبب الأول فإن العداء بين أنظمة الحكم العربية و الإسلام السياسي يندرج تحت خانة الصراع السياسي و لا يمكن إعتباره بأي حال من الأحوال عداء تجاه الدين و الشواهد على ذلك عديدة لعل أبرزها هو التحالف و في بعض الأحيان التواؤم الوقتي بين جماعات الإسلام السياسي و الأنظمة الحاكمة. و من ذلك تحالف الإخوان المسلمين مع الضباط الأحرار عقب ثورة يوليو في مصر و حتى العام 1954 عندما دب الخلاف بين الطرفين. و هنا ينبغي الإشارة إلى أن قمع و حظر المشاركة السياسية على الجماعات الدينية في العالم العربي لم يكن حصرياً عليها  بل كان جزء من ممارسات إستبدادية و شمولية للأنظمة العربية شملت أيضاً حظر الأحزاب العلمانية الشيوعية و التي لاقى المنتسبون إليها صنوفاً من التنكيل في السجون قد يتجاوز ما لاقاه الإسلاميون. أما بالنسبة للسبب الثاني أي تطبيق الشريعة الإسلامية و هي القضية المركزية لكل جماعات الإسلام السياسي و المحرك الدعائي للإحزاب الإسلامية الحالية في العالم العربي فهي قضية فيها شيء من التضليل. فليس صحيح على الإطلاق ما يروج من أن أحكام القانون في معظم الدول العربية هي أحكام وضعية فالقانون المدني المصري الصادر في عام 1948 و الذي نقلته أو إعتمدت عليه دول عربية أخرى منها ليبيا و العراق و سوريا تتفق كثير من أحكامه التفصيلية مع الشريعة الإسلامية. فمسائل الأحوال الشخصية على سبيل المثال و ما يتعلق بقوانين الزواج و الميراث و الوصية و الكثير من القوانين التجارية تتفق مع أحكام القرآن الكريم و السنة النبوية. و ربما تكون المسألة الأبرز التي لا يتم فيها التطبيق الحرفي للشريعة هي مسألة تطبيق الحدود في القضايا الجنائية و هي مسألة شرطية كما يرى المعارضون لتطبيقها من الفقهاء الدستوريين كالمستشار المصري محمد سعيد العشماوي تستلزم عدالة المجتمع و إختفاء ظواهر إقتصادية كالبطالة و الفقر.
و في ورقة بحثية بعنوان "سياسة ذات مرجعية دينية بدون دولة إسلامية" صادرة عن معهد بروكنغز الدوحة، يفرق الباحث التركي أحمد كورو بين نمطين للعلمانية. علمانية إقصائية تستبعد الدين من الحياة العامة كما في تركيا سابقاً و علمانية سلبية تسمح بحرية الممارسة الدينية و ترعاها. و الأخيرة هي التي قصدها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في تصريحاته التي أثارت حنق الإسلاميين خلال زيارته لدول الربيع العربي في صيف عام 2011 عندما أشار إلى أن الدولة العلمانية ليست ضد الدين و إنما تكفل الحريات الدينية. و يقترح الباحث التركي أحمد كورو في نفس الورقة على الدول العربية تبني مصطلح الدولة المحايدة كبديلاً للدولة العلمانية نظرأ للحساسية التي قد يحملها البعض تجاه مصطلح العلمانية. و الدولة المحايدة أو العلمانية السلبية تتبنى فيها السلطة السياسية موقفاً مستقلا من المؤسسات الدينية و محايدا تجاه جميع الأديان و في نفس الوقت تضمن الحرية الدينية لجميع المواطنين. و وفق هذا التعريف لا يمكن بأي حال من الأحوال إعتبار أنظمة عربية مثل نظامي الأسد في سوريا و صدام حسين في العراق سابقا علمانيين و ذلك بسبب موقفهم الغير محايد تجاه السنة في سوريا و الشيعة في العراق. و يرى المفكر اللبناني جورج طرابيشي صيغتين للعلاقة بين الدولة و الدين. فإما أن تكون هناك روابط موصولة بين الدولة و دين محدد يحكمها و يقودها سياسياً (دولة ثيوقراطية) أو أن تدعم الدولة الدين و تقوده (دولة طائفية). و إما أن يكون هناك إنفصال بين الدولة و الدين متفاوت في حديته فتكون بالتالي دولة علمانية. و إذا ما طبقنا صيغ العلاقة بين الدولة و الدين التي يقترحها طرابيشي على العالم العربي و بالإستناد إلى التجارب التاريخية التي وردت في بداية هذا المقال لأمكننا القول بأن العلمانية بشكل عام و نموذج العلمانية الإقصائية بشكل خاص لم يتواجدا في العالم العربي إلا بشكل ضيق و في إطار إستبدادي بغرض حظر المنافسة السياسية و ليس أيديولوجي. كذلك يمكن القول بأنه لا يمكن للعلمانية الإقصائية أن تتواجد مستقبلا في العالم العربي بسبب ما يشكله الدين الإسلامي من مرجعية إجتماعية و ثقافية للعرب. و في مجتمعات متعددة عرقياً و دينياً بل و حتى مذهبياً بين أفراد الدين الواحد كما في العالم العربي تصبح فكرة العلمانية السالبة أو الدولة المحايدة التي تعكف على تقديم الخدمات للمواطنين و تكفل حريتهم الدينية و تتيح لهم الفرص المتساوية دون تفريق ديني أو عرقي هي طوق النجاة من خطر التقسيم و الإحتراب الأهلي.