الاثنين، 25 أكتوبر، 2010

محاكمة السوبرمان


لعل المفاجأة الجميلة في قضية القاضي المسحور هي ردة فعل المواطنين و التي تمثلت في الردود المتهكمة و الساخرة التي إمتلأت بها صفحات الصحف الإلكترونية الناقلة للخبر. إذ أن المتصفح للنسخة الإلكترونية من عدد صحيفة عكاظ لهذا اليوم مثلا سيلاحظ أن الغالبية من المعلقين على الخبر إستنكروا و سخروا من القاضي و محاميه الذي يطالب المحكمة بإستجواب الجني المتهم. على أن ردة الفعل الواعية هذه يجب أن لا تخدعنا و تقودنا لإستنتاج أن غالبية المواطنين السعوديين غير مقتنعين بمزاعم القاضي و أنهم ينبذون مثل هذه الأخبار القروسطية إذ أن نسبة السعوديين الذين يستخدمون الإنترنت تقدر بحوالي 30 % فقط من عدد السكان و بالتالي الغالبية المستنكرة هي غالبية وسط مستخدمي الإنترنت فقط

الإيمان بالغيبيات و الكائنات الغيبية من جن و ملائكة و شياطين هو قاسم مشترك بين غالبية الأديان. و القرآن الكريم يشير لمثل هذه الغيبيات و لكنه يحصر الخوارق و المعجزات في ظروف معينة و شخصيات معينة لا يمكن تعميمها. و لا ينتقص من عقل المرء أبداً كونه يؤمن بوجود هذه الغيبيات طالما ظل هذا الإيمان محصورا في حيز الإيمان الشخصي أو المعتقد. لكن أن يتحول هذا الإيمان إلى هوس يضر بالمجتمع و إلى ثقافة متطرفة تبرر كل ما ينافي العقل و المنطق فهنا المشكلة.و من الخطأ الإكتفاء بالسخرية و تسفيه عقل القاضي القضية و النظر إليه على أنه حالة شاذة و تجاهل الأسباب التي أدت به إلى إختلاق هذه الكذبة البايخة و إعتقاده بإمكانية أن تمر هذه الكذبة على الناس من دون مشكلة

يبدو لي أن القاضي كان ذكياً في تحججه بمسألة السحر لتبرير فعلته، فالمجتمع الذي تقبل بكل عفوية و إيمان الكرامات التي نسبت للجهاد الأفغاني في الثمانينات لماذا لا يتقبل فكرة غيبية مشابهة اليوم؟ و المشائخ الذين لم يروا حرجاً في تزكية كتاب آيات الرحمن في جهاد الأفغان في الثمانينات الميلادية بكل ما أحتواه من قصص أسطورية عن طيور تحمي المجاهدين من قذائف الطائرات و الرشاشات التي تعمل حتى بعد نفاذ الذخيرة و التراب الذي يرميه المجاهد على الدبابة الروسية فتتعطل و غيرها لن يجدوا حرجا في تصديق قصته. بل ما المشكلة في الزعم بأن جني سرق 400 مليون ريال طالما أن الشيخ العبيكان عضو مجلس الشورى و المستشار في الديوان الملكي يؤكد على قدرة السحرة على الطيران بالمكانس مستنداً على ماورد في أحد كتب إبن تيمية.

http://www.okaz.com.sa/okaz/osf/20060608/Con2006060823825.htm


 و بالمناسبة أيضاً فإن حجة القاضي هذه ليست بالحجة الجديدة تماماً على تراثنا. فقصة مقتل الصحابي سعد بن عبادة رضي الله عنه و التي نسبت للجن وردت في بعض كتب المؤرخين القدامى. و لقد ضعّف بعض علماء الحديث القصة سندأ و لكنهم لم يرفوضها متناً رغم أن تحليل مجريات الأحداث التاريخية في تلك الفترة يطرح فرضية إغتيال هذا الصحابي

إن ثقافتنا الشعبية و تراثنا يحملان مقومات ساعدت هذا القاضي على إيجاد تبرير خرافي لفعلته. يساعد على ذلك غياب و تجريم القراءة النقدية لهذه الثقافة و سيادة قراءة حرفية للنصوص لا تضع إي إعتبار للظروف الزمانية و الإجتماعية و السياقية التي تواجدت فيها و لا تؤمن إلا بحياة و تاريخ ذوي طابع أسطوري فقط.
 ثمة أسئلة بسيطة جدا من شأنها أن تختصر كل اللغط الذي قد تثيره مصطلحات رنانة مثل القراءة النقدية للنصوص أو القراءة الأسطورية لمسيرة التاريخ أو مجازية الخطاب القرآني. و من هذه الأسئلة:

لماذا بإمكان الجني سرقة 400 مليون و يعجز عن تهريب القاضي؟
لماذا لا يقوم السحرة الذين يؤمن العبيكان بقدرتهم على الطيران بتأسيس شركة طيران؟
لماذا هزمت الملائكة الروس في أفغانستان و تركت الإسرائيلين في فلسطين؟
لماذا يعيش معظم السحرة و العرافين في أوضاع مالية سيئة؟
لماذا يطلب الساحر المال من الزبائن طالما يستطيع هو سرقة هذا المال بواسطة الجن؟

ربما بإمكان العقل الأسطوري إختلاق إجابات لمثل هذه الأسئلة و لكنها إجابات تعيسة تذكر بالأب الذي يتحايل على إبنه بالأكل حتى يستطيع الطيران مثل سوبرمان عندما يكبر.


ليست هناك تعليقات: