الجمعة، 22 أكتوبر، 2010

عشيقة أبها - مغامرة إنجليزية في جبال عسير The Mistress of Abha

من ميناء ليفربول إلى أبها مروراَ بجدة و ما بين هذه المحطات أحداث مثيرة في ينبع، القنفذة، صبيا، خميس مشيط، جيزان رجال ألمع، و تربة بالإضافة إلى مجموعة من القرى و الهجر التي لم نسمع عنها من قبل إلا عن طريق الأساتذة عبداللطيف العيوني (رحمه الله) و حسن كراني مذيعي النشرة الجوية بالقناة السعودية الأولى. هذه هي رحلة المستشرق الإنجليزي خريج أوكسفورد إيفور ويلوبي في البحث عن أبيه روبرت و الذي إختفى في الجزيرة العربية في عشرينات القرن الماضي خلال عمله كضابط بريطاني في دعم العمليات ضد الأتراك كما تخبرنا رواية وليام نيوتن (عشيقة أبها) و التي صدرت في بريطانيا في شهر مايو الماضي.

و الرواية يمكن أن تصنف كرواية تاريخية مسرحها منطقة عسير و الساحل الجنوبي الغربي للجزيرة العربية في الفترة ما بين الحرب العالمية الأولى و السنوات العشر الأولى بعد تأسيس المملكة حيث تمر في سياق القصة و بشكل سريع في بعض الأحيان و بشكل مفصل في أحيان أخرى شخصيات الملك عبدالعزيز، لورانس العرب، الأمير فيصل بن عبدالعزيز، الشريف حسين، الأمير حسن بن عايض و الذي قاد تمردا عسكريا في أبها ضد الحكم السعودي. و تظهر أيضا  قبائل بني مغيد و الأدارسة و مجموعات الغطغط إضافة إلى بعض الأحداث و الوقائع التاريخية  كمذبحة الطائف و دخول جيش إبن مساعد إلى أبها. و قد خلق المؤلف شخصيات و قبائل و أحداث سياسية و عسكرية خيالية لتفادي وقوع قصته في فخ السرد التاريخي. و أبرز هذه الشخصيات كانت الضابط روبرت ويلوبي و الذي يناديه أهل أبها في القصة ب"اللوبي". هذا الضابط بدأ مهمته السرية في جزيرة العرب أثناء الحرب العالمية الأولى لدعم الثورة العربية ضد الأتراك و حلفائهم و لم يدر في خلده أن مهمته هذه ستقوده إلى مغامرة العمر في سلسلة من المعارك و التحالفات مع القبائل و شيوخها و و ستدفعه إلى هجر ردائه الغربي و إرتداء اللباس العربي بدلا عنه و إستبداله للنظام و الإنضباط الإنجليزي بالعفوية و التلقائية العربية. غير أن الحدث الأبرز في حياته كان وقوعه في عشق أبها و إرتضائه لأرضها وطنا له سيدفع حياته فيما بعد ثمنا لهذا الوطن و ثمنا لعلاقة غرامية محرمة وقع فيها أثناء إقامته في أبها.

و هذا الكتاب هو الإصدار الروائي الثاني للطبيب الإنجليزي وليام نيوتن. و لو لم يرد إسم أبها في عنوان القصة لما ألتفت إلى الكتاب على الإطلاق إذ أن المؤلف يعتبر مغموراَ و لكن كلمة أبها في العنوان كان لها وقعاً سحرياً جاذباً لي و أنا أجول وسط الكتب في مكتبة فويلس في لندن. و ربما تكون هذه الرواية مملة بالنسبة للقارىء الغير سعودي فالمؤلف أكثر من إستخدام المصطلحات و الأسماء العربية بشكل أشفقت فيه على القارىء الأجنبي الذي بالتأكيد لن يكون مهتما ذاك الإهتمام بمحاولات الأدارسة لإحتلال أبها على سبيل المثال أو بالتصميم الداخلي لمجالس قصور أمراء أبها أو بعادات أهل عسير كما يصورها المؤلف بشكل ممل في بعض الأحيان. و القارىء أي قارىء  قد يشعر بأن الحبكة الروائية تضعف نوعا ما و الكاتب يصور بطل القصة و كأنه إنديانا جونز كناية عن مغامراته العسكرية ضد الأتراك و عبقريته المبالغ فيها. كما أن القارىء العربي لابد و أنه سيشعر بحالة من الإستفزاز و هو يرى هذه الشخصية الإنجليزية الخيالية تتبادل الغرام المحرم مع زوجة أحد مشائخ القبائل العسيرية. و مع ذلك كله فإن الرواية لا تخلو من بعض الثيمات الجميلة التي تبدأ متفرعة من طرق مختلفة و تنتهي في طريق واحد هو سحر الجزيرة العربية و بساطة سكانها. و قد بدى لي في لحظات أن المؤلف يقتبس ثيمة البرازيلي باولو كويلهو في رواية الخيميائي و هو يرجح فكرة المسيرة العفوية للحياة على فكرة الحياة المخطط لها بالثانية و الدقيقة. فالإبن الباحث عن حياة أبيه في مجاهل الجزيرة العربية كان في بعض الأحيان يبحث عن نفسه فيكتشفها و يعيد إستكشاف ما يريده هو في الحياة.

و لئن كانت مسألة جودة الرواية من عدمها أو كونها محمسة أو مملة هي مسألة تخضع في نهاية الأمر لذوق المتلقي سواء أكان قارىء أم ناقد فإن الفكرة الرئيسية التي خرجت بها من خلال قرائتي لهذه الرواية هي أننا نملك الكثير لنكتب عنه في الرواية السعودية بعيداً عن إطاريّ الدين و الجنس. و لست هنا من الذين يدعون إلى كتابة رواية ملائكية خالية من التطرف الديني أو تفاصيل عملية الجماع مثلاً و لكنني ضد حصر الرواية السعودية في هذا فقط. القصة التاريخية هي أحد أصناف القصة المغيبة في روايتانا المحلية مع أننا نملك من التراث و الأحداث ما يؤهل لكتابة أعمال ملحمية عن سفربرلك و معاناة أهل المدينة مثلا أو عن الغزو البرتغالي لجدة في القرن الثامن عشر أو عن جبروت الشريف أبانمي أو عن أميرة حائل التي حكمت أحد أقوى القبائل العربية في مطلع القرن العشرين أو عن معارك الدولة السعودية الأولى ضد غزو إبراهيم باشا. و الفانتازيا التاريخية هي الأخرى أحد الأصناف المغيبة على الرغم من الكم الهائل من الأحداث التاريخية الكبيرة التي شهدتها الجزيرة العربية في المائتي سنة الأولى في تاريخ الإسلام و التي يمكن أن تتطور إلى فانتازيا جميلة تماثل قصص الملك أرثر و فرسان الطاولة المستديرة. و ربما يأتي يوم و نشاهد روايات سياسية سعودية و أعمال تستقي الوحي من التاريخ السياسي الدسم للمملكة كما أستلهم أورهان باموك و غابريال غارسيا ماركيز و ماريو لوسا من التاريخ الدسم لبلدانهم و مناطقهم فأخرجوا أعمالاً "نوبلية".


عاصم

ليست هناك تعليقات: