السبت، 20 نوفمبر، 2010

علوم البرغر كينغ في الرد على ستيفن هوكينغ

و العنوان السجعي لهذه المقالة هو كليشة تقليدية في أدبيات الكتابة العربية عندما يتعلق الموضوع بتفنيد فكرة معينة أو في أحيانٍ أخرى مهاجمة صاحب الفكرة. و إذا كان العنوان مغرق في التقليدية، فإنني أزعم بأنني أحاول أن يكون مضمون المقالة إلى حدٍ ما غير تقليدي و سيناقش "فلسفيا" فقط، الكتاب الأخير لعالم الفيزياء البريطاني ستيفن هوكينغ "التصميم العظيم". و هو نقاش فلسفي فقط و بعيد كل البعد عن الفيزياء لأن الكثير من الفرضيات الفيزيائية التي يستند عليها الكتاب لم تثبت ماديا و ربما لا يمكن إثباتها أصلاً و الفيزياء لها رجالها و نسائها و لست منهم مع الأسف. و هوكينغ الذي يصنف اليوم كأبرز عالم في الفيزياء النظرية كان قد أثار زوبعة علمدينية (من كلمتي العلم و الدين) في الثمانينات الميلادية عندما أقر في كتاب موجز تاريخ الزمن بأن فكرة وجود خالق للكون لا تتعارض مع الفيزياء النظرية. ثم عاد و أثار زوبعة أخرى قبل أشهرٍ قليلة في كتاب التصميم العظيم عندما تراجع عن فكرة وجود خالق أو بالأصح أعلن بأنه و بسبب وجود قوانين فيزيائية مثل قانون الجاذبية فإن الأكوان يمكن أن تخلق من العدم من دون الحاجة إلى تدخل خالق ذكي. و أنه و بحسب معطيات نظرية الأوتار الفائقة فإن هناك أكوان عديدة موجودة تحتمل وجود حيوات أخرى. بالتالي فإن الإعتقاد بأن الله قد ميز الأرض و الإنسان و هيأ كل الظروف الطبيعية الخاصة التي سمحت بوجود حياة على الأرض أو ما يعرف بفكرة التصميم الذكي  هو إعتقاد باطل. فوجود كوننا و أرضنا هو مجرد صدفة.

و مشكلة فكرة هوكينغ من وجهة نظري أنها مبنية على إفتراض بأن الدين (أي دين) يفترض بأن الإنسان هو مركز الكون. و هو في هذا السياق يفترض بأن صورة الإله لابد أن تكون هي الصورة الميتافيزقية للإله الذي يغضب و يفرح و ينفعل و يرسل صاعقة لحرق شخصٍ ما مثلاً متجاهلاً بأن صورة الإله هي في نهاية الأمر عبارة عن تصور بشري تحكمه حدود المعرفة و البيئة و الثقافة. فعدم وجود تعريف كامل للإله و الذي عبر عنه القرآن الكريم (ليس كمثله شيء) هو إقرار ديني على أن كل ما نعتقده عن ماهية الله هو مجرد تصورنا البشري. و لو نزل الوحي أو الرسالة على علماء الفيزياء لربما تصوروا الله على هيئة معادلات و قوانين فيزيائية تحكم الكون و لو نزل على خبراء كمبيوتر لتصوروه جهاز كمبيوتر خارق أو مبرمج وضع برنامجه و لوغريتماته و تركه يعمل إلى مالا نهاية. يؤيد هذه الإفتراضات أن الكتب المقدسة لطالما وصفت الأحداث و المعجزات و الغيبيات من منظور البيئة التي وجدت فيها هذه الكتب. فالقرآن الكريم تحدث عن الإعجاز في خلق الإبل و لم يتحدث عن الدب القطبي مثلاً و التي ربما يكون أكثر إعجازاً و إبهاراً لسكان القطب الشمالي مثلا. و الجنة لطالما إقترن وصفها بالبرد بينما جنة أكثر دفئاً ستكون أكثر مناسبة للإسكندانيفين مثلاً. و الخطاب القرآني كما وصفه محمد أركون هو خطاب عاطفي تصويري أكثر من كونه مادياً أو عقلياً و جاء مناسباً للبيئة الثقافية التي نزل فيها. و لو نزل كتاب على اليونانيين القدماء لربما ركز على الجانب العقلي أكثر من التصويري أو البلاغي
بالتأكيد كان من الأسهل على شخص مسلم مثلي الإستشهاد بالكثير من الآيات القرآنية الكريمة التي تتحدث عن السماوات و الأراضين السبع للدلالة على أنه حتى و لو ثبت مادياً وجود أكوان موازية كما يقترح كتاب التصميم العظيم فإن هذا لن يتعارض مع القرآن الكريم. و بإمكان أصحاب جميع الأديان الأخرى القول بأن الجنة و النار و الحياة الآخرة هي أيضا يمكن إعتبارها أكوان موازية. بل بالإمكان أيضاً الذهاب إلى أبعد من ذلك و الإستدلال بآيات من القرآن الكريم لإثبات فرضيات فيزيائية لا زلت موضع نقاش العلماء فرحلة المعراج مثلاً يمكن تفسيرها على أنها سفر عبر الزمن أو سفر بسرعة تفوق سرعة الضوء و قصة إخفاء عرش بلقيس في لمح البصر قد تكون عملية تيليبورتيشين و القائمة تستمر. إلا أنني أتحفظ كثيراً على إستغلال الكتب المقدسة بهذا الشكل و الذي يعرضها للإختبار العلمي و التاريخي و بالتالي إمكانية نجاحها أو فشلها في هذه الإختبارات. و لو كان الغرض من هذه الكتب أن تكون علمية لوجدنا قوانين نيوتن و قوانين الديناميكا الحرارية و نظرية النسبية واضحة فيها و لو كان الغرض منها أن تكون كتب سياسية لوجدنا آليات واضحة لإختيار الحكام و قوانين للإنتخابات. و لو كان المراد منها أن تلغي فكر الإنسان لوجدنا تحريماً صريحاً لبقية الكتب. و لو كانت كتب تاريخ لحددت بالأرقام تورايخ أحداث كبرى كطوفان نوح و ميلاد موسى و معركة بدر.
أفكار ستيفن هوكينغ و أراؤه يمكن أن تنتهي في اللحظة التي يثبت فيها علمياً بطلان الفرضيات التي أستند عليها. أما أفكار من يعتقد بأن الكتب السماوية هي كتب علوم و تاريخ و سياسة من الصعب زحزحتها بسبب أن أصحابها يربطونها بمسألة الإيمان و هم بالتالي و من دون قصد يجردونها من قيمتها الروحية العظيمة.


عاصم

ليست هناك تعليقات: