الاثنين، 21 مارس، 2011

لماذا تأخرت ثورة العرب؟

لو قدر لطفلٍ مولود في أيامنا هذه أن يستوعب ما يحدث في العالم العربي من إنتفاضة على الأنظمة الإستبدادية، لأصيب بصدمة إذا ما علم بأن العرب قد صبروا على هذه الأنظمة لأكثر من 40 عام. ذلك أن الحماس و الشجاعة و روح التضحية التي أبداها الثوار في مصر و تونس و يبديها الاخرون في بقية الدول الثائرة و رفضهم لأي مساومات أو حلول وسط لا تبدو متناغمة مع حالة الرضوخ التي أبداها العرب لهذه الأنظمة  طيلة 40 أو 50 عام مضت. ثمة سؤال يطرح نفسه هنا عن سر سكوت العرب و تأخر إنتفاضتهم كل هذه المدة على الأنظمة المستبدة؟ قد يبدو هذا السؤال غير مهماً إذا ما عملنا بالحكمة القائلة أن تصل متأخراً خير من أن لا تصل أبداً و لكنه سيكون مهماً إذا أردنا تجنب عودة الزمن إلى عصر ما قبل ميدان التحرير و إلى عصر شرعنة الإستبداد. بالتأكيد تجدر الإشارة إلى أنه كانت هناك إنتفاضات شعبية سابقة في تاريخ العرب الحديث كإنتفاضة 77 في مصر و إنتفاضة حماة في سوريا و لكن لم تصل أي من هذه الإنتفاضات إلى حالة الثورة الشعبية الشاملة التي شهدتها مصر و قبلها تونس.
 في العاشر من يناير من عام 2008، نشرت مجلة الإيكونوميست المرموقة تحقيقا بعنوان "العرب .. ما بين الفتنة، الفوضى، و البحر الأزرق العميق". تحدث التحقيق عن كمية الإحباط الذي يحمله العرب و هم يرون عالمهم العربي يخفق في كل المجالات، من الهزيمة العسكرية في فلسطين و العراق، إلى إخفاق السياسة العربية في عملية السلام مع إسرائيل مرورا بمحطات من الفشل المتعاقب في الإقتصاد و التعليم وغيرها من مجالات التنمية. و تسائل التقرير عن سبب قدرة الأنظمة المستبدة كليبيا و سوريا و عراق صدام حسين و غيرها على البقاء و الإستمرار رغم كل هذه الإخفاقات و على الرغم من أن بداية هذه الإخفاقات كانت في فترة الستينات و السبعينات الميلادية أي أنه كان هناك وقت كافي لحكم الشعوب على فشل و ديكتاتورية هذه الأنظمة. و خلص التقرير إلى عدة أسباب منها: الكاريزما التي امتلكها بعض الزعماء في الماضي كعبدالناصر و السادات و صدام  و الملك حسين و التي غطت على إخفاقاتهم العسكرية أو السياسية إضافة إلى خوف الشعوب من التغيير و من الفوضى و الفتنة التي قد تحدث في حال غياب هذه الزعامات. هناك بالتأكيد أسباب أخرى قد ترتبط بعوامل جيوسياسية و إقتصادية و دينية و هذه تتفاوت من منطقة إلى أخرى. فالرخاء الإقتصادي في بعض الدول جعل من الإستبداد السياسي شر لا بأس به و التركيبة القبلية لدول أخرى جعلت منه شر لابد منه و هكذا.
على أن هناك سبب آخر قد لا يبدو بديهياً للبعض على الرغم من أنه قد يكون قاسماً مشتركأ في جميع المجتمعات العربية بل و في معظم البيوت العربية من دون مبالغة. هذا السبب يتعلق ببنية المجتمعات و الأسر العربية التي تعودت في حياتها اليومية أن تمارس صنوفاً من الديكتاتورية و الإستبداد الإجتماعي. يتجلى هذا الإستبداد في أبسط صوره بمصادرة حق إبداء الرأي المختلف داخل الأسرة الواحدة و قد يتحكم كبير الأسرة بمصائر أفرادها متجاهلا رغباتهم الشخصية و من ثم يتطور الوضع فيصبح الضرب هو عقاب من يخرج عن الطاعة. و تمتد أثار هذه الديكتاتورية لتتجاوز الأسرة فتصل إلى بقية مؤسسات المجتمع كالمدرسة و الجامعة و المسجد و النادي الرياضي و الحزب السياسي فتخضع جميع هذه المؤسسات لسيطرة شخص واحد يمثل النسخة الحديثة شكلاً و المشابهة مضموناً لشيخ القبيلة البدائية أو لكبير الأسرة. و بالتالي ينشأ المواطن العربي معتاداً على وجود فرد يمثل مرجعية و ليس نظام أو قانون. و الدكتور نصر أبو زيد رحمه الله في كتابه الأخير (التجديد و التحريم و التأويل) يتحدث عن هذه المسألة فيصف الأحزاب و المؤسسات السياسية العربية المعاصرة بأنها ذات بنية "أبوية" مهما إدعت من حداثة في تركيبها فإن إستراتيجياتها و قرارتها تعتمد على في النهاية على رأي شخص واحد.
البنية الأبوية هذه التي تحدث عنها أبو زيد هي أبشع صورة للديكتاتورية و الإستبداد الإجتماعي و تتجلى هذه البشاعة في طريقة التعامل بين الشعوب العربية و الحكام . فالحكام العرب إعتادوا في خطاباتهم على وصف الشعوب بالأبناء !! و الحال ينطبق على الشعوب التي لطالما نعتت حكامها بالوالد القائد أو الأب الحنون. هذه المشاعر الأبوية المتبادلة و التي تحل في غير مقامها هي إمتداد للإستبداد الإجتماعي و ترسيخ للإستبداد السياسي. لذلك لم يكن مستغرباً أن يرفض البعض في مصر تنحي الرئيس حسني مبارك أثناء الثورة بدعوى إحترام كبر سنه و بدعوى العشرة و العيش و الملح !! مع العلم بأن الكثير من هؤلاء لم يكونوا من المنتفعين من حكم الرئيس السابق. كذلك لم يكن مستغرباً أن يستنكر الكثير أسلوب الروائي المصري علاء الأسواني في حديثه مع رئيس الوزراء الأسبق الفريق شفيق خلال حوار على الهواء بدعوى أنه لم يحترم سن و مكانة الرجل.
الجيل الجديد و الذي ينسب إليه الفضل الأكبر في نجاح الثورة المصرية وصف دائماً بأنه جيل متمرد و جيل قليل التربية. و لعلها سخرية القدر هي التي جعلت قلة التربية المزعومة هذه تسقط نظام حسني مبارك. فالشباب الثائر لم يشعر بحزن أو عطف و هو يرى الرئيس الذي لطالما وصف بالأب القائد يظهر في مظهر الرجل العاجز المنكسر في خطابه الأخير. بل كان الرد عليه بحمل الأحذية و توجيهها إلى صورته على الشاشات الضخمة في ميدان التحرير. هذا الشباب أثبت أن الثورة لم تكن على نظام سياسي فاسد فحسب بل هي ثورة وعي و ثورة على إستبداد إجتماعي حوّل الحاكم العربي من مجرد موظف في الدولة عليه واجبات يحاسب إذا قصر في تأديتها إلى رب أسرة يلتمسون له الأعذار إن أخطأ و يمنن عليهم إن أصاب.

ليست هناك تعليقات: