الجمعة، 8 أبريل، 2011

عودة إلى الثمانينات الميلادية

لو قدر لي يوماً السفر عبر الزمن، لأخترت الثمانينات الميلادية كأحد المحطات الرئيسية. عشت الثمانينات طفلاً و أتحسر أنه لم يكتب لي أن أعيشها شاباً و على الأغلب لن يكتب إلا إذا نجح أحدهم في تطويع قوانين الفيزياء و إختراع جهاز للسفر عبر الزمن كما نجح في فعل ذلك الدكتور براون في الفيلم الرائع "العودة إلى المستقبل" و الذي أنتج في الثمانينات. بالمناسبة البرفيسور موتشو كاكو أستاذ الفيزياء النظرية في جامعة مدينة نيويورك و الذي شارك مؤخراً في منتدى التنافسية في الرياض، يذكر في كتابه الرائع "فيزياء المستحيل" بأن السفر عبر الزمن ليس مستحيلاً فيزيائياً و لكنه يتوقع بأن الأمر سيستغرق قرون قبل أن يتمكن العلماء من إختراع تقنية تسمح بالإنتقال عبر الأزمان.

و لئن سلّمت بأمري الواقع و إستحالة العودة إلى الثمانينات جسداً، فإنني لم أستسلم تماماً بل إستطعت السفر إليها عقلاً. و الثقب الأسود الذي قادني إلى الثمانينات لم يكن إلا مكتبة جدي رحمه الله. فأثناء عمليات التكسير و التبليط و الدهان في المكتبة العتيقة و التي أشرف عليها، عثرت على مجلدات تجمع كافة أعداد مجلتي التايم الأمريكية و الإيكونوميست الإنجليزية لعقد الثمانينات. و عشوائياً و بمحض الصدفة إخترت مجلد العام 1983 فكانت الرحلة التي أضعها بين أيديكم. و قبل أن تبدأ الرحلة، يجدر أن نستعرض بعض معالم عقد الثمانينات الميلادية و هو العقد الذي شهد أحداث محلية شكلت بدايات للكثير من الأزمات التي نعيشها في السعودية اليوم. فالثمانينات شهدت بداية صعود نجم التطرف الديني المدعوم رسمياً من بعد حادثة جهيمان و التي وقعت قبل أشهر قليلة من العام 1980 و شهدت أيضا إنهيار أسعار النفط و إنهاك الإقتصاد السعودي بسبب الحرب العراقية-الإيرانية كما شهدت أيضاً مولد الكثير من المشاريع التنموية الجبارة و التي ادى فشل بعضها إلى معاناة مدينة جدة مع الأمطار و المجاري. و كما كان التطرف الديني هو العنوان الأبرز محلياً لعقد الثمانينات فإنه كان أيضاً أحد أبرز العناوين عالمياً بصعود نجم الإسلام الثوري المتطرف في إيران و ظهور أسماء بن لادن و الظواهري مع ما يسمى بالمجاهدين العرب في أفغانستان و وصول اليمين الأمريكي إلى الحكم بتولي رونالد ريغان الرئاسة في أمريكا.
على أن الثمانينات لم تكن كلها بهذا السواد و الكآبة، فمحلياً و تحت قيادة أمير القلوب الأمير فيصل بن فهد رحمه الله ذقنا أول فرحة حقيقية في كرة القدم السعودية بالتأهل لأولمبياد لوس أنجلوس و الفوز بكأس آسيا لأول مرة. و ما دمنا نتحدث عن الكرة فمن منا يمكن أن ينسى ماردونا و سحر مونديال المكسيك في عام 1986. و مادمنا لا زلنا نتحدث عن الترفيه فمن ينسى أفلام إي تي و العودة إلى المستقبل و أغاني مادونا و مايكل جاكسون و الأتاري و كمبيوتر صخر ..
بين أيديكم عناوين من عقد الثمانينات كما سجلتها ..
 
هموم سعودية ثمانيناتية
عدد مجلة التايم الصادر بتاريخ السابع من فبراير من العام 1983 إحتوى على تقرير عن مشاكل الدول المصدر للنفط و منها السعودية و التي عانت خططها النفطية و الإقتصادية كثيراً في تلك الفترة بسبب الحرب العراقية الإيرانية. تحدث التقرير حينها عن مشكلتي التطرف الديني و الفساد كأبرز مشكلتين تهددان السعودية. من المثير للسخرية أن نفس المشكلتين لا تزال قائمتين على الرغم من مرور 28 عام على إصدار ذلك العدد. و الغريب أن يد الرقيب الإعلامي حينها لم تمتد لتشق تلك الصفحة كما يبدو في القصاصة التالية من التقرير



عالم الكمبيوترات

عرفت الكمبيوتر الشخصي في العام  1996 هذا إذا لم نصنف كمبيوتر صخر بأنه كمبيوتر شخصي. أتذكر تماماً تلك الأيام و كيف أن إستخدامي للجهاز أيامها لم يتجاوز رسم الكروت و اللعب بلعبة الفلايت سيميولشن. و شعرت بضآلتي و بجناية النظام التعليمي في السعودية عليّ و أنا أرى إعلانات الكمبيوترات الشخصية تملأ صفحات الإعلان في مجلات الثمانينات.


هذا الكمبيوتر التعيس في الصورة أعلاه بدا و كأنه تحفة منتجات أبل. و لا أدري إن قدّر للرجل الذي يظهر في الإعلان أن يعيش فيرى عجائب الأيفون و الأيباد. على أننا ربما سيأتي يوم و تسخر أجيال المستقبل من إنبهارنا بمنتجات أبل اليوم. و ما دمنا نتحدث عن الكومبيوترات الشخصية، فمن منكم سمع بهذه الشركة و منتجاتها من الحواسيب و التي تظهر في الإعلان بالأسفل؟. شركة Olivetti

تشير بعض الإحصائيات إلى أن نسبة مستخدمي نظام التشغيل ويندوز حول العالم هي حوالي 90% من إجمالي المستخدمين للكمبيوتر. في عام 1985 تم إطلاق نظام ويندوز و قبلها بعامين و بالتحديد في نوفمبر 1983 أعلنت شركة ميكروسوفت و لأول مرة عن إطلاقها لنظام التشغيل الجديد "ويندوز". هذه كانت البداية لمنتج سيغير من شكل العالم في العقدين التاليين



عالم الحروب
فترة الثمانينات شهدت أحد أطول حروب القرن العشرين و هي الحرب العراقية الإيرانية و التي دامت 8 أعوام . كما شهدت أيضا الفصل الأخير للحرب الباردة بين أمريكا و الإتحاد السوفييتي. و في هذا الإطار دشن الرئيس الأمريكي رونالد ريغان برنامج حرب النجوم

و في الوقت الذي تورط فيه الإتحاد السوفيتي في أفغانستان كانت أمريكا تشن حملات عسكرية في جمهوريات الموز تستعيد بها ثقتها المفقودة بعد هزيمة فيتنام. و قبل أن تغزو أمريكا غرينادا و بنما كانت تشن حرب وكالة في نيكاراغوا. هذه الحرب ستكتسب أهمية كبيرة فيما بعد بالنسبة لنا كسعوديين عندما صرح الأمير تركي الفيصل في أعقاب الهجوم الإرهابي على أبراج التجارة في نيويورك بأن السعودية قدمت تمويلا مالياً لثوار الكونترا في نيكارغوا دعماً للحليف الأمريكي
و المشهد في الخليج العربي كان قاتماً خلال سنوات الحرب العراقية الإيرانية. فمياه الخليج الدافئة كانت مسرحاً لحرب ناقلات النفط و تهديدات القصف الصاروخي. و لعل التقرير التالي يجعل الأصوات التي تطبل لحرب جديدة في الخليج العربي اليوم تتريث و هي ترى حجم الدمار الذي خلفته حرب الثماني أعوام
و كانت مصر في مطلع الثمانينات مع حدثٍ دام و صفحة مأسوية تمثلت في إغتيال السادات و تولي حسني مبارك الحكم. و هنا نقرأ حوار سريع مع مبارك بعد حوالي 15 شهراً من توليه الحكم و فيه أجاب على سؤال الصحفي بخصوص الأسلوب الذي سيتبعه في الحكم بإجابة علمنا مؤخراً كم كانت كاذبة أو صادقة حرفياً !!!!.
و قبل أن نترك السياسة، لابد من أن نتوقف في محطة الصراع العربي الإسرائيلي و الذي شهد صفحات كثيرة كانت أليمة و مخزية في الثمانينات و لعل أبرزها هو سقوط بيروت تحت الإحتلال الإسرائيلي و وقوع مذبحة مخيمات صبرا و شاتيلا على يد المليشيات اللبنانية المسيحية و بإشراف إرييل شارون وزير الدفاع الإسرائيلي وقتها. و اليوم و نحن نرى تقرير غولدستون عن جرائم إسرائيل خلال العدوان على غزة في عام 2007، نتذكر أيضا تقرير ماكبرايد الذي أحدث زلزالاً في إسرائيل بحسب التقرير التالي من مجلة التايم و الصادر في 21 فبراير عام 1983 و الذي أطاح لاحقاً بشارون من الحكومة

مشاريع عملاقة
تعد اليوم مصفاة ينبع أحد أربع مصافي لتكرير النفط مملوكة بالكامل من قبل شركة أرامكو السعودية. في عام 1983 كانت شركة بترومين تحتفل بإنشاء المصفاة و بدء الإنتاج فيها. و هو ما يعبر عنه الإعلان بالأسفل من قبل شركة تشيودا المنفذة للمشروع. ربما لم يدر بخلد القائمين على المشروع حينها بأن ملكية المصفاة ستتغير في غضون 10 أعوام فتتحول إلى سمارك و من ثم إلى أرامكو

قائمة الكتب الأكثر مبيعاً
في القصاصة التالية قائمة بأكثر الكتب مبيعا في أمريكا لأحد أسابيع العام 1983
بعد الإطلاع عليها، لننتقل سريعاً إلى مارس 2011 و نشاهد قائمة الكتب الأكثر مبيعاً بحسب موقع أمازون.
سنجد أن أغلب محتويات القائمتين هي كتب الريجيم و اللياقة و بالتأكيد كتب السيلف هيلب و تطوير الذات. ربما يكون هذا مؤشر بسيط أن إهتمامات رجل الشارع الأمريكي لم تختلف كثيراً. هل يختلف الوضع في العالم العربي ؟ ربما .. حقيقة يصعب الجزم بذلك بحكم غياب الإحصائيات العربية. تصفحت تقرير التنمية الثقافية الثالث و الصادر عن مؤسسة الفكر العربي على أمل الحصول على إحصائيات دقيقة لما يقرأه العرب. لكن النتيجة كانت المزيد من الضبابية و إستنتاج للقائمين على المكتبات العربية بأن ثمة فجوة كبيرة بين ما يقرأه العرب و ما يؤلفونه.
الطريق إلى الكارثة
إنفجر مكوك الفضاء تشالنجر في يناير من العام 1986. في مارس 1983 كتبت مجلة التايم عن حادثة أدت إلى تأجيل إطلاق المكوك بسبب مشاكل في المحركات و إحتمال وقوع تسرب لبعض الغازات القابلة للإشتعال

كارثة من نوع آخر
هذا العدد من التايم الصادر في 28 فبراير 1983 خصص غلافه للحديث عن مطاردة الإعلام للمشاهير. و تصدرت صورة الأميرة ديانا العدد. و ستتصدر صورة الأميرة ديانا غلاف المجلة مرة أخرى بعد 13 عام من هذا العدد عندما تلقى مصرعها بسبب مطاردة البابارتزي لها في باريس

من التسعاوي إلى الكرسيدا
إنقرضت سيارة الكرسيدا الشهيرة من شوارع المملكة و توقف إنتاجها في اليابان. في أواخر أيامها في التسعينات الميلادية، كانت الكرسيدا رمزاً للخدمنة. على أنها لم تكن أبداً كذلك في عام 1983 أو على الأقل كما يصفها الإعلان في المجلة بأنها السيارة الفاخرة
أما الإعلان الأخر فكان لسيارة الكابرس الشهيرة بالتسعاوي و التي أرتبطت في أذهان البعض فيما بعد بأنها سيارة العربجية و الخيار المفضل لأصحاب النوايا الإجرامية و تظهر في هذا الإعلان بصورة السيارة الملكية الراقية

هكذا إذاً كانت رحلتي إلى العام 1983. إن الوصول إلى نقاط الإختراق في التقنية أو إحداث إنقلابات و ثورات سياسية و إجتماعية قد لا يكون هو التحدي الأصعب على البشر كما يبدو من هذا الإستعراض السريع. و لكن إحداث التغيير في عادات و تفكير الناس هو التحدي الحقيقي. العودة إلى الماضي قد تكون ضرورية لقياس و دراسة مسيرة التغيير و التطور. لكن المشكلة تحدث عندما نعود إلى الماضي و نقرر البقاء فيه.
بقي أن أشير إلى أن العام 1983 يحمل ذكرى خاصة لي. فقد فقش رأسي في ذلك العام و كنت طفلاً في الثانية و كدت أن أفقد حياتي بسبب البنج أثناء تخييط رأسي و الذي أدى إلى حدوث مضاعفات خطيرة بحسب رواية الوالدة حفظها الله. أنا ممتن لله سبحانه و تعالى أن كتب لي عمراً وقتها و كتب لي أن أعود فأقرأ العالم 1983 بعيون 2011.

عاصم

ليست هناك تعليقات: