الجمعة، 3 يونيو، 2011

هل أتاك حديث التحول الديمقراطي في العالم العربي

لو طلب من عينة عشوائية في الشارع أن تعرف الديمقراطية فعلى أغلب أظن ستكون كلمة الإنتخابات هي القاسم المشترك في إجاباتهم. و لو إمتد السؤال فشمل شريحة من الأكاديميين و السياسيين لربما إختلفت الإجابة بعض الشيء و لربما إحتوت على تفصيل أكثر و لكنها حتماً ستتضمن كلمة الإنتخابات. لكن حصر الديمقراطية في كلمة إنتخابات فيه ظلم كبير و إختزال مجحف. إن صندوق الإقتراع هو ماركة مسجلة بإسم الديمقراطية و لكنه ليس علامة لجودة هذه الديمقراطية. الإنتخابات هي مجرد محطة البداية لأي رحلة ديمقراطية و لكن الرحلة ستنتهي في لحظة بدايتها إذا ما أعتبرت أن صندوق الإنتخاب هو خط النهاية لرحلة التحول الديمقراطي. فدول مثل إيران و باكستان عرفت صناديق الإنتخاب منذ فترة طويلة و لكنها صناديق ملطخة بأيدي رجال الدين و العسكر و السياسيين الفاسدين. و لبنان عرفت صناديق أخرى تعفنت بروائح الطائفية و المحاصصة.إن هذه النماذج من الأنظمة المشوهة تشكل حجج مثالية لمعارضي الديمقراطية في العالم العربي.

 في كل عام تصدر وحدة التقصي التابعة لمجموعة الإيكونومست البريطانية (Economist Intelligence Unit) المرموقة  تقريراً عن حالة الديمقراطية حول العالم. و يتضمن التقرير مؤشراً يتم من خلاله تصنيف دول العالم إلى أربع فئات؛ دول ذات أنظمة ديمقراطية كاملة، دول ذات أنظمة ديمقراطية معيبة ( بها عيوب)، دول ذات أنظمة هجينة ما بين الديمقراطية و الإستبداد، و دول ذات أنظمة مستبدة. و يتم تصنيف كل دولة و حساب درجة ديمقراطيتها بالإستناد إلى إحصائيات و إستفتاءات و إجابات لخبراء على 60 مؤشراً دقيقاً على شكل أسئلة تتعلق بالمواضيع التالية:
·       العملية الإنتخابية و التعددية الحزبية
·       أداء الحكومة
·       المشاركة السياسية
·       الثقافة السياسية
·       الحريات المدنية

إذا أستعرضنا بعض من هذه المؤشرات ال60 سنصل إلى قناعة بأن الديمقراطية لا يمكن إختزالها في العملية الإنتخابية فقط و أن رحلة التحول الديمقراطي في العالم العربي ستكون رحلة طويلة تلزم صبر و إيمان.
·       حق المواطنين في إنشاء أحزاب سياسية
·       نزاهة و حرية الإنتخابات البلدية
·       حق المواطنين في إنشاء منظمات مدنية مستقلة
·       قدرة الأفراد المنتخبون على تحديد سياسات الحكومة
·       إستقلالية الحكومة من سلطة الجيش و أي أجهزة أمنية أخرى
·       عدم وجود تأثيرات أجنبية على سيادة الحكومة و قراراتها
·       تمتع المؤسسات المنتخبة بإستقلالية و سلطة أقوى من سلطات المؤسسات الدينية أو الإقتصادية أو غيرها
·       درجة تفشي الفساد
·       ثقة الشارع في الحكومة و في الأحزاب السياسية
·       نسبة المشاركة في الإنتخابات من مجموع من يحق لهم الإنتخاب
·       مشاركة الأقليات في العملية السياسية
·       مشاركة المرأة في البرلمان أو باقي المجالس التشريعية
·       نسبة المشاركة في الأحزاب و المنظمات السياسية
·       درجة إهتمام الشارع بالسياسة
·       مساعي الحكومة و السلطة في توسيع المشاركة السياسية
·       وجود درجة من الإجماع الشعبي على دعم الديمقراطية
·       نسبة المواطنين الذين يفضلون وجود حاكم مستبد
·       نسبة المواطنين الذين يفضلون الحكم العسكري
·       نسبة المواطنين الذين لا يؤمنون بالديمقراطية كضامن للنظام العام
·       نسبة المواطنين الذين لا يؤمنون بالديمقراطية كوسيلة للنهوض الإقتصادي
·       حرية الإعلام الإلكتروني و الورقي
·       حرية التعبير
·       حق المواطنين في إنشاء نقابات مهنية و عمالية
·       إستخدام السلطات لوسائل تعذيب
·       الحريات الدينية
·       نسبة المواطنين المقتنعين بأن النظام القائم يكفل حقوق الإنسان
·       مدى إستغلال الحكومات للمخاطر و الأزمات للحد من الحريات المدنية

* في العام الماضي، جاء توزيع دول العالم بحسب مؤشر الديمقراطية على النحو الموضح في الجدول أدناه:
نوع النظام
عدد الدول
النسبة
ديمقراطية كاملة
26
15.6
ديمقراطية معيبة
53
31.7
أنظمة هجينة
33
19.8
أنظمة مستبدة
55
32.9





و ربما يكون الأمر المفاجىء هو أن دول لها تاريخ عريق في الممارسة الديمقراطية مثل فرنسا و إيطاليا تم تصنيفهما كدول ذات ديمقراطيات معيبة. حيث سجلت فرنسا إنخفاضاً في نسبة المشاركة السياسية و إنخفاض في ثقة المواطنين بالحكومة و الأحزاب السياسية و هو الأمر الذي أدى إلى حدوث أعمال عنف و إشتباكات مع الشرطة بشكل متكرر. فيما أدت سيطرة رئيس الوزراء الإيطالي على العديد من شبكات التلفزة و الإعلام في إيطاليا إلى تدهور كبير في حرية الإعلام. كل هذه العوامل أدت إلى خفض تصنيف البلدين من ديمقراطيات كاملة في عام 2008 إلى ديمقراطيات معيبة في 2010.

قائمة الديمقراطيات المعيبة إشتملت أيضاً و في مفاجأة على كثير من الدول النامية في أفريقيا و آسيا مثل غانا و بتسوانا و منغوليا و تيمور الشرقية و بنين. في حين كانت ماليزيا و أندونسيا هم الدولتان المسلمتان الوحيدتان في القائمة. و ماليزيا تحديداً تبدو مثيرة للإهتمام خصوصاً لدول الخليج العربي حيث أنها تتبنى نظاما ملكياً إنتخابياً يتم فيه إنتخاب ملك من 9 أسر ملكية كل خمس أعوام عوضاً عن النظام الملكي الوراثي الذي يعمل به في معظم ملكيات العالم.

فقط 3 دول عربية هي لبنان و فلسطين و العراق هي التي تم تصنيفها كدول ذات أنظمة هجينة. فيما تم تصنيف باقي الدول العربية كدول ذات أنظمة مستبدة. فيما صنفت تركيا و التي يشار إليها عادة كنموذج للديمقراطية المسلمة كدولة بنظام هجين حيث شهدت تدهوراً حاداً في حرية الإعلام حيث تحدثت تقارير عن ان عدد الصحفيين المعتقلين في تركيا في العام 2010 تجاوز ال50 تهمة بعضهم كانت التحريض على الحزب الحاكم

الثورات العربية التي تتابعت خلال الأشهر الست الماضية ما من شك في أنها حركت المياه الراكدة في العالم العربي. و ستكون مصر و تونس على موعد مع إستحقاقات إنتخابية برلمانية و رئاسية قبل نهاية هذا العام. إن المضي في تحقيق هذه الإستحقاقات عبر إنتخابات حرة و نزيهة هو خطوة عملاقة في سبيل التحول الديمقراطي لكن هذه مجرد الخطوة الأولى. إن تنمية الثقافة السياسية للمواطنين و توسيع المشاركة السياسية سيتطلب خطوات متكاملة تشمل التعليم و الإعلام و التنمية الإقتصادية و هذه بدورها ستحتاج إلى دساتير عادلة تعكس رغبة حقيقية في تحقيق الديمقراطية على الأصعدة الحكومية و الشعبية. ربما لن يكون بمقدور أغلب الدول العربية التحول إلى ديمقراطيات كاملة في المدى القصير بسبب الظروف الجيوسياسية التي تفرض على منطقة الشرق الأوسط نزاعات و أزمات لا تنتهي إضافة إلى ظروف الإقتصاد و الإنفجار السكاني. لكن كل هذه الظروف لا تمنع إقامة أنظمة شبه ديمقراطية خلال السنوات القليلة القادمة تكون قادرة على خلق التنمية و على حل جميع المشاكل الإقليمية التي عجزت الأنظمة العربية المستبدة على حلها طيلة أكثر من 50 عام. الدول العربية لن تكون أقل من الهند أو ماليزيا، أو دول حلف وارسو السابقة أو تركيا في بناء أنظمة شبه ديمقراطية تضمن الحد الأدنى المقبول من العدالة و الحريات و المشاركة السياسية.




للإطلاع على تقرير حالة الديمقراطية للعام 2010 يرجى زيارة الرابط التالي
http://www.eiu.com/public/topical_report.aspx?campaignid=demo2010

هناك تعليق واحد:

NoraFH يقول...

قطعا لم تقطع الثورة العربية كل هذا الشوط من النجاح ولم تنزف كل هذه الدماء لأجل تحقيق ديموقراطية زائفة او لتستمر على "اديموا الكراسي"كما بتعريف القذافي..بل لتحقق ديموقراطية صحيحة نزيهة..
لكن اي نوع من الديموقراطية تحديدا او بسؤال اوضح ماذا بعد الديمو قراطية؟.
نجاح الثورة جانب قوي ومشرف ويدعو للتفاؤل لكن الصورة الذهنية للديموقراطية عند العرب لا تزال غير واضحة بمايكفي ،فالتاريخ والخبرة بها عند العرب شيء يدعو للقلق ..كما أن الوضع جاء مفاجئا جدا ..فحتى كل من كان يقول قبل الثورة أن الديموقراطية هي الحل..تجده محتارا الان..لأنه فجأة سيسأل نفسه ماهي الديموقراطية أصلا؟
اعتقد أن الأحداث هذه الأيام ستصنع ديموقراطية بشكل آخر..فلم يعد هنالك مكان للزيف بعد الان..
..
شكرا عاصم..