الأحد، 10 يوليو، 2011

أكثر من جنوب سودان واحد



جاء مشهد الختام لعلاقة جنوب السودان بشماله فاتراً للمشاهدين العرب رغم أن هذا المشهد حمل كل معاني الدراما  و  الإثارة المتمثلة في وفاة دولة عربية بحدودها الجغرافية التي عرفناها لأكثر من نصف قرن و ولادة دولة جديدة بميول و نوايا لا زالت مجهولة. و بين الوفاة و الولادة حربين أهليتين خلفتا مليوني قتيل و جريح. و تجسد هذا الفتور العربي في مقالات الصحف العربية الكبرى و التي خلت تقريبا من تناول موضوع تقسيم السودان إلا من نذرٍ يسير. و قد يكون الشارع العربي معذوراً في تجاهله لتغيير الخارطة الجغرافية و السياسية  لدولة عربية للأبد بحكم إنشغاله بالربيع العربي الحدث الأبرز في المنطقة منذ سقوط الإستعمار. ربما يكون من حسن الحظ ان تقسيم السودان جاء في الوقت الذي دخلت فيه الأنظمة العربية مرحلة الإحتضار و بدأت فيه الشعوب ثورة من الوعي بحقوقها و الإيمان بأنها ليست أقل من باقي شعوب العالم التي تعيش في ظل دول مدنية و ديمقراطية تكفل حقوق المواطنين بدون أن تفرق بين أعراقهم و أديانهم. و لا يمكن أن نقرأ حدث تقسيم السودان بعيداً عن إطار الربيع العربي ذلك أن مشكلة الجنوب على الأقل منذ إستقلال السودان هي تجسيد للفشل العربي في إقامة الدولة المدنية الحديثة و هو ذات الفشل الذي تجسده الأنظمة القمعية في سوريا و اليمن و ليبيا و غيرها من الدول العربية.

من الناحية التاريخية، لم يُعرف السودان ككيان واحد يضم الشمال و الجنوب إلا في نهاية القرن التاسع عشر. و من الناحية الإثنية و الدينية، فإن هناك تبايناً واضحاً بين الشمال بسكانه العرب المسلمين و الجنوب بإثنياته المختلفة و أديانه التي تتوزع ما بين المسيحية و الوثنية و الإسلام. و تاريخياً أيضاً لعب الإستعمار الإنجليزي دوره في إذكاء التباين عندما فرض قوانين فصل إدارية و إجتماعية بين الشمال و الجنوب في عشرينات القرن الماضي. كل هذه العوامل تجعل الإنقسام يبدو و كأنه كان  قدراً محتوم. لكنه لم يكن كذلك في واقع الأمر لولا أن الدولة السودانية بعد الإستقلال فضلت إتباع سياسة تعريب و أسلمة الجنوب بالقوة. و حتى عندما توقفت الحرب الأهلية الأولى بالإتفاق على إعطاء الجنوب حكم ذاتي بعد إتفاقية أديس أبابا، عادت الحكومة السودانية بقيادة جعفر نميري فألغت الإتفاق و أشعلت الحرب الأهلية الثانية. و لعل المفارقة المؤلمة هنا هو أن حركة التمرد الجنوبي بقيادة قرنق ظلت حتى آخر سنوات الحرب الأهلية تدعو إلى بقاء السودان موحداً تحت نظام علماني و هو ما كانت ترفضه حكومة البشير و التي شجعت نمطاً متطرفاً من التدين الظاهر المليء بالتناقضات التي لم يكن أقلها إستضافة إرهابيين كأسامة بن لادن و كارلوس. 

 العالم العربي مليء بالبؤر التي  تحتمل أن تكون جنوب سودان آخر. الأكراد في العراق، الصحراء الغربية في المغرب، دارفور، الأقليات الدينية في الجزيرة العربية، الأقباط جميعها بؤر قد تلتهب في أي لحظة. لا يمكن تجاهل حقيقة أن ثمة تعاطف واضح من قبل الغرب تجاه إنفصال جنوب السودان تمثل في مساندة و  سرعة الإعتراف بالدولة الجديدة في مقابل تجاهل و  كيل بمكيالين في القضية الفلسطينية. و لا يمكن أيضاً تجاهل أن نفط جنوب السودان قد يثير روائح المؤامرة لكن في المقابل لا يمكن إنكار أن السودان شأنها شأن معظم الأنظمة العربية فشلت في إنشاء دولة حديثة تكفل حقوق الأقليات بل تكفل حقوق المواطنين بشكلٍ عام و تضمن إستغلال الموارد و الثروات من أجل رخاء الشعوب. العالم العربي إذ يعيش اليوم لحظة التغيير بعد قرون من الإستعمار تبعتها عقود من الإستبداد السياسي و الحكم الشمولي يملك فرصة قد تكون الأخيرة لوأد بؤر التقسيم. الدولة المدنية التي تكفل حقوق المواطنين و لا تفرق بينهم  بناء على أعراقهم و مذاهبهم و أديانهم هي الضامن لسيادة الأوطان.    

هناك تعليق واحد:

ع.القباني يقول...

الله المستعان .
صدقت يا أخي عصام ..
كم في بلداننا من جنوب سودان آخر . فبعد أن قطعوا الجزء الأكبر قبل عقود . بدؤوا يفتتونه من جديد !!!
وأخشى أن يغنوا غدا علينا .. ياكلك حبة حبة !