الجمعة، 10 فبراير، 2012

قراءة في كتاب "السعودية على الحافة"


في أواخر شهر يناير المنصرم، أصدر مجلس العلاقات الدولية الأمريكي كتاباً جديداً عن المملكة العربية السعودية من تأليف الصحفي و الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط توماس ليبمان. و الكتاب هو الثاني للمؤلف عن السعودية، إذ سبق له في عام 2005 تأليف كتاب (داخل السراب: العلاقات الهشة بين أمريكا و السعودية). أما  الكتاب الجديد فيحمل عنواناً أكثر إثارة و هو (السعودية على الحافة: المستقبل الغامض لحليف أمريكي). الكتاب يتألف من 270 صفحة موزعة على 11 فصل تتناول مواضيع مختلفة تتعلق بالجوانب الإقتصادية و الإجتماعية و العلاقات الخارجية للمملكة خصوصاً مع أمريكا و إيران. و المؤلف يتمتع بعلاقات جيدة و إتصال بالكثير من المسؤولين و الشخصيات العامة في المملكة و هو يواظب على زيارة المملكة بشكل دوري.

توقيت صدور الكتاب يعطيه ميزة تسويقية كبيرة إذ أنه يعد أحد الإصدارات القليلة (إن لم يكن الأول) عن المملكة في مرحلة الربيع العربي. و في الواقع هذه الميزة هي التي دفعتني لإقتناء الكتاب فور صدوره متوقعاً تركيزه على مستقبل المملكة السياسي في ظل رياح التغيير الغير مسبوقة التي هلت على العالم العربي في عام 2011. لكن و على عكس توقعاتي، جاء مرور المؤلف على تداعيات الربيع العربي خاطفاً. صحيح أن المؤلف تناول مسألة مستقبل الأسرة المالكة في الفصل الأول من الكتاب و الذي عنونه ب (ملوك و دولة) و في فصول لاحقة ايضاً لكن ذلك تم من خلال نفس السياقات المكررة التي تناولت المسألة خلال مرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر و التي تصور سيناريو وحيد للتغير تقوده الجماعات الإسلامية المتطرفة. و هذا السيناريو إستبعده المؤلف تماماً إذ أنه يعقد مقارنة سريعة في الفصل الأول في الكتاب بين المملكة و إيران في عهد الشاه. فيوضح بأن هناك فوارق كبيرة بين الأسرتين الحاكمتين تمنع تكرار سيناريو مشابه للثورة الإيرانية في السعودية. فبحسب المؤلف فإن أغلبية السعوديين يؤيدون الأسرة المالكة كحاكم شرعي للبلاد لكنهم يطالبون بتغيير الأسلوب. و هو يرى بأن مطالب الأغلبية ترتكز على إصلاحات إجتماعية و إقتصادية أكثر من السياسية. و المؤلف يمر بشكل سريع على محطة الحراك الشعبي الأكثر بروزاً في عام 2011 متمثلة في وثيقة دولة الحقوق و المؤسسات و يستشهد بأراء محليين سعوديين و أجانب يرون بأن مطالب الإصلاح السياسي و التحول نحو شيء من الديمقراطية لازالت تنحصر في النخب و لم تتمدد نحو شرائح أوسع من الشعب. و يختم المؤلف الفصل الأول بالإشارة إلى دراسة طويلة عن مستقبل المملكة السياسي أجرتها مجموعة من الخبراء و المحللين أبرزهم غيرد نونيمان و بول آرتس خلصت إلى أن بوصلة النظام السياسي في المملكة ستتجه في المدى القصير و المتوسط نحو المزيد من "الأوتوقراطية المتحررة" و التي تعني نظام يضمن الحريات الإقتصادية و الإجتماعية دون السياسية كما في الإمارات على سبيل المثال. و لكن و على المدى البعيد فإن النظام السياسي في المملكة قد لا يكون قادراً على الحفاظ على حالة الوضع الراهن أو "status quo" و بالتالي فإن سيناريو مشابه لما حصل في الإتحاد السوفييتي في عهد ميخائيل غورباتشوف. (المثير أن الأمير طلال بن عبدالعزيز كان قد طرح مثال الإتحاد السوفييتي في أحد تغريداته على تويتر)
المؤلف في محاضرة له بواشنطن

في الفصول من الثاني إلى الخامس يتناول ليبمان قضايا متعلقة بالإقتصاد السعودي و مستقبله و هو و في هذا المجال يقدم جهد بحثي ضخم و يصور مستقبلاً غير واضح المعالم للإقتصاد السعودي. فعلى سبيل المثال يتحدث في الفصل الثاني المعنون ب "وفرة نفطية و نقص في الطاقة" عن الإستهلاك الغير العادي للوقود في المملكة و الذي سيؤدي إلى تقلص قدرة المملكة على تصدير النفط مستقبلاً و هذه المشكلة التي تحدث عنها الكثيرون في المملكة مؤخراً خصوصاً بعد صدور تقرير مؤسسة تشاثام هاوس عن أزمة الطاقة في السعودية (Burning Oil to Keep Cool). و يستشهد ليبمان بتقرير لشركة بريتيش بيتروليوم البريطانية تتنبأ فيه بأن المملكة ستكون عاجزة عن تصدير النفط الخام بحلول العام 2025. على أن النفط لن يكون هو المشكلة الإقتصادية الوحيدة للمملكة مستقبلاً، فالمؤلف يشير إلى مشكلة قد تكون هي الأخطر على مستقبل المملكة إقتصادياً و أمنياً. فبحسب دراسة لوحدة الإيكونومست للمعلومات فإن حاجة السعودية للمياه العذبة ستتضاعف بحلول العام 2020. و إذا ما وضعنا في الإعتبار أن الموارد الطبيعية للمياه في بلد صحراوي مثل المملكة تنضب مع تزايد الإستهلاك فإن الخيار الوحيد أمام المملكة هو بناء محطات جديدة لتحلية مياه البحر. و هو الأمر الذي تضعه الحكومة السعودية في عين الإعتبار بحسب المؤلف لكنها ستحتاج وفقاً لحسابات مجلس الأعمال السعودي الأمريكي إلى إنفاق أكثير من 60 مليار خلال السنوات العشرين القادمة لتلبية إحتياجات الإستهلاك المحلي. و حتى في حال نجاح المملكة في تجاوز مشكلة المياه محلياً فإنها ستواجه أزمة إقليمية بسبب أطماع دول الجوار التي ستعاني أيضاً من نفس المشكلة. و بحسب أحد مراكز الأبحاث الأمريكية فإن شح المياه في الشرق الأوسط مستقبلاً قد يؤدي إلى أزمة إقليمية خارج سيطرة السعودية.
يفتتح المؤلف الفصل الرابع من الكتاب و الذي إختار له عنوان "نحو نموذج إقتصادي جديد"، بتقديم رؤية الحكومة السعودية المستقبلية و التي تطمح في تحول المملكة إلى دولة صناعية. و يقتبس تصريح لوزير التجارة السابق عبدالله زينل عن سعي الدولة إلى مضاعفة إسهام قطاع الصناعة في الإقتصاد المحلي بمقدار 20% بحلول العام 2020. لكن هذا التصريح المتفائل يقابله تصريح شديد التشاؤم لجون سفاكنياكس كبير الإقتصاديين في البنك السعودي الفرنسي يذكر فيه "ليس هناك مستقبل صناعي للسعودية. الصناعة ليست مستقبل المملكة". و في هذا الفصل يلعب المؤلف دور مقدم البرنامج الحواري المحايد إذ أنه يطرح أراء و وجهات نظر المسؤولين السعوديين عن رؤيتهم و خططهم للوصول إلى إقتصاد صناعي لا يعتمد على النفط فقط بحلول العام 2025 و في نفس يطرح دراسات و أراء لخبراء تنسف كل طموحات المسؤولين السعوديين. ففي موضوع المدن الإقتصادية يشير المؤلف إلى تصريحات مسؤولي هيئة الإستثمار عن المستقبل الواعد لهذه المدن ثم ينتقل إلى تصريح لجون سفاكنياكس يصف فيه مشاريع المدن الإقتصادية بالخدعة الكبيرة و أن هذه المشاريع ستتحول في أحسن الأحوال إلى مجرد مشاريع تطوير عقاري. و للمشككين في جدوى خطط التحول الصناعي في المملكة أسباب وجيهة. فهم يرون بأن ما تقوم به الدولة هو تخطيط إستراتيجي من الأعلى إلى الأسفل كما حدث في بداية الخطط الخمسية في السبعينات الميلادية. و خطورة هذه الفكرة هي أنها تتصور بأن القيادة و الجهاز التنفيذي للدولة (دون الشعب) يملكون الأفكار و الخطط الأفضل للمستقبل الإقتصادي. و على أي حال فإن المشكلة قد لا تكون في جدوى و مدى فاعلية الخطط الإقتصادية بقدر ما هي مسألة الوقت. فالمؤلف يرى بأن التحدي الحقيقي للمملكة يكمن في قدرتها على خلق إقتصاد صناعي يعتمد على نفسه قبل إنفجار القنبلة السكانية و التي ستصل بعدد سكان المملكة إلى حوالي 40 مليون نسمة بحلول العام 2025. و هو الأمر الذي يهدد بتقويض كل الخطط الإقتصادية و خطط القضاء على البطالة التي يتناولها المؤلف بشكلٍ موسع في الفصل الخامس من الكتاب. و يرى ليبمان بأن الإقتصاد الريعي للمملكة و الدعم الحكومي للكثير من القطاعات بالإضافة إلى رداءة التعليم في مختلف مراحله كلها خلقت قوى عاملة ضعيفة الإنتاجية. و يخصص الفصل السادس من الكتاب للحديث عن قضية التعليم مستخدماً عنواناً فيه الكثير من المبالغة و هو "الثورة التعليمية". و في رأيي أن المؤلف أخفق في هذا الفصل في الوصول إلى مصادر بحثية تقدم له صورة حقيقية عن خطط تطوير التعليم. فهو يتبنى وجهة النظر الرسمية التي تقدم صورة وردية لمستقبل التعليم في المملكة. كما أنه يختزل و إلى حد كبير مشكلة التعليم في السعودية في مسألة المناهج التي تحرض على الكراهية متجاوزاً مشاكل أخرى تتعلق بالبنى التحتية للمدارس و بفلسفة التعليم بشكلٍ عام.
في الفصول السابع و الثامن و التاسع من الكتاب يتناول المؤلف القضايا الإجتماعية الأبرز و التي تتعلق بالمرأة و الدين. و هو يقع في فخ التكرار الممل لنوعية الكتب الأجنبية التي تناولت المسألة الإجتماعية في المملكة بعد زلزال الحادي عشر من سبتمبر. فهو لا يقدم أي جديد في الفصل السابع (النساء و القفزة القادمة) عندما يستعرض تجارب لسيدات أعمال و أديبات سعوديات. فمثل هذه التجارب على نجاحها أصبحت مستهلكة إعلامياً مع الكم الكبير من الكتب و الإصدارات الأجنبية التي تناولت وضع المرأة في السعودية خلال العشر سنوات الماضية. و حتى في الفصل الثامن الذي عنون له ب(الإسلام، المجتمع و الدولة) يعيد المؤلف طرح أفكار مكررة عن هيئة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و عن القاعدة و عن الوهابية. و مرة أخرى يقع المؤلف في فخ تبني وجهة النظر الرسمية دونما تقصيها على أرض الواقع. فهو مثلاً يتحدث عن تنظيم دور الهيئة زاعماً بأن الجهاز أصبح أكثر "إحترافية" متجاهلاً الكم الكبير من القصص التي أوردتها الصحف المحلية عن تجاوزات أفراد الجهاز. كما يخصص جزء بسيط  فقط من هذا الفصل للحديث عن أحداث القطيف و مظاهرات المواطنين الشيعة في عام 2011. و كان الأولى من وجهة نظري تخصيص جزء أكبر للحديث عن هذه المسألة التي تعد من الأحداث الأبرز في المملكة خلال عام 2011.
الفصلان الأخيران من الكتاب (جيرة سيئة) و (تحالف متطور) خصصهما المؤلف للحديث عن العلاقات الخارجية للمملكة مركزاً على علاقاتها مع إيران و أمريكا. و لا يأتي المؤلف بشيء جديد هنا. فهو في الفصل العاشر يتحدث عن خطط المملكة لحماية سيادتها الوطنية و يؤكد على قدرتها على تحقيق ذلك. لكنه يرى بأن المملكة تملك الإرادة على فعل ذلك لكنها لا تملك إستراتيجية واضحة. و من الناحية الإيرانية، يستبعد المؤلف حصول مواجهة مباشرة بين البلدين حتى و لو لم يسقط النظام الإيراني خلال السنوات القليلة القادمة. و عوضاً عن المواجهة المباشرة سيكون هناك نوع من التنافس بين البلدين في كسب الشعبية في العالم الإسلامي. و هذا العداء سيستمر مالم يقع حدث كبير يغير من شروط اللعبة كأن تتمكن إيران من صنع القنبلة النووية أو أن يسقط النظام الإيراني الحالي. أما من ناحية العلاقة مع أمريكا، فيتوقع المؤلف إستمرار التحالف بين البلدين. و هو نفس الشيء الذي خلص إليه غالبية من كتبوا عن العلاقات السعودية الأمريكية في العشر السنوات الماضية كما في كتاب (أثقل من الزيت Thicker Than Oil ) لراشيل برونسون.
ختاماً، من يقرأ الكتاب سيشعر و لوهلة بأنه صادر قبل العام 2011. فالمؤلف و إن كان مقتنعاً بمحدودية تأثير أحداث ثورات العام 2011 على المملكة فإنه يتجاهل قضايا مهمة جداً كصعود الإسلاميين و الإخوان المسلمون للحكم في مصر و تونس و هو الأمر الذي سيكون له تداعيات مستقبلية كبيرة لا على المملكة فحسب بل على العالم العربي أجمع. كذلك يبدو تأكيد المؤلف على إستقرار العلاقات بين المملكة و أمريكا مستقبلاً ضرباً من الكهانة فمن كان يتوقع مثلاً أن تستغني أمريكا بهذه السهولة عن الرئيس السابق حسني مبارك وهو أحد أبرز حلفائها في العالم العربي. و بشكلٍ عام كان واضحاً تركيز المؤلف على الجوانب الإقتصادية و الإجتماعية أكثر من الجانب السياسي. فهناك قضايا سياسية كانت تستحق تسليط المزيد من الضوء كمسألة الخلافة و إنتقال الحكم في الأسرة المالكة السعودية و مسألة التحول إلى ملكية دستورية. قد يكون مبرر المؤلف في ذلك هو أن الكتاب موجه في الأساس إلى القاريء الأمريكي و ليس القاريء السعودي.

يمكن الحصول على الكتاب عن طريق موقع أمازون

ليست هناك تعليقات: