الجمعة، 1 فبراير، 2013

قراءة في كتاب " ما بعد الشيوخ: السقوط القادم لممالك الخليج" After the Sheikhs: The coming collapse of the Gulf Monarchies


هذا كتاب جديد صدر في نوفمبر من العام 2012 فيه يتنبأ المؤلف كريستوفر دافيدسون  بسقوط وشيك للأسر المالكة في الخليج. و المؤلف هو باحث سياسي بريطاني يعمل كبرفيسور في جامعة دورام و سبق له العمل في الإمارات. يذكر المؤلف أن فكرة هذا الكتاب راودته منذ العام 2002 و لكنه بدأ في تأليفه في عام 2009 و أقام فترة في أمارة رأس الخيمة مفضلاً الإقامة في هذه الأمارة الفقيرة مقارنة بباقي الأمارات لكي يتعرف على صورة أخرى للخليج عير تلك الصورة النمطية السائدة. و أختار المؤلف تصميماً مثيراً لغلاف الكتاب يظهر صور حكام الخليج على قطع من الدمينو.



الكتاب بدأ بشكل ممتاز في رأيي من خلال مقدمته و التي أستعرض فيها المؤلف أسباب صمود الممالك الخليجية أمام التغيير السياسي طيلة عقود. و يحدد المؤلف 4 أسباب و نظريات سياسية تفسر بقاء الأسر المالكة الخليجية:

أولا: الطبيعة الريعية للإقتصادات الخليجية بسبب النفط و الذي وفر عقد إجتماعي غير مكتوب تضمن فيه الدولة الثراء للمواطن مقابل تخليه عن حقوقه السياسية

ثانيا: توصل الأسر المالكة الخليجية إلى صيغة فريدة للحكم دمجت فيها بين مفاهيم القبيلة و الدين و مؤسسات الدولة الحديثة و نجحت بالتالي في تجاوز عقبة "التحديث" و التي تحدث عنها صامويل هنتنغتون في الستينات في كتابه الشهير "النظامالسياسي في مجتمعات متغيرة" و الذي تنبأ فيه بأن الملكيات المطلقة ستواجه خيارين إما الإستسلام للتحديث و بالتالي الإضطرار للقبول بالمشاركة السياسية للطبقة الوسطى و إما رفض التحديث و بالتالي توقع حدوث ثورة شعبية عارمة

ثالثا: نظرية مايكل هيرب عن الملكيات الوراثية و التي أرجع قدرة الأسر المالكة الخليجية على الإستمرار بسبب تولي أفراد من الأسرة للمناصب القيادية و البيروقراطية الكبرى في الدولة.

رابعا: الخصوصية الإجتماعية و الدينية لمنطقة الخليج أو "عدم جاهزية الشعوب الخليجية" للمشاركة السياسية. 

و يرى المؤلف في ختام مقدمته بأن هناك تغييرات سياسية و إقتصادية في المنطقة لن تصمد معها النظريات و الأسباب السابقة التي أدت إستمرار حالة الوضع الراهن في الخليج
في الفصل الأول من الكتاب، يقدم المؤلف عرض سريع عن تاريخ الخليج العربي الحديث و تأسيس ممالكه و مشيخاته. و هذا الفصل سيكون مفيد للقاريء الأجنبي أو القاريء الغير ملم بالمنطقة.
الفصل الثاني يخصصه المؤلف للأسباب الداخلية التي سمحت ببقاء الأنظمة الخلجيية. فيتحدث عن تطويع الدين لمصلحة الأنظمة، تكوين نخب قبلية و دينية تتبع الأنظمة، إستغلال النفط في توفير هبات إقتصادية للمواطنين، تعظيم و تضخيم شخصيات الحكم "كالت اوف بيرسوناليتي". هذا الفصل قد يكون مملا للقاريء الخليجي فمعظم المعلومات الواردة فيه شائعة و معروفة على المستوى الشعبي في المنطقة.
الفصل الثالث يضيف فيه المؤلف الأسباب الخارجية لإستمرارية الأنظمة الخليجية. و يركز تحديدا على مفهوم "القوى الناعمة" لدول الخليج التي ترسخت من خلال أدوارها السياسية في العلاقات الخارجية و من خلال إستثماراتها المالية الإستراتيجية في الغرب خصوصا بالنسبة للإمارات و قطر.
الفصل الرابع خصصه المؤلف للضغوط الداخلية المتصاعدة. حيث يفصل بالأرقام و الحقائق عجز بعض الدول الخليجية كالسعودية مثلا على الحفاظ على الطبيعة الريعية للإقتصاد و عجزها عن التوسع في توظيف المواطنين في القطاع الحكومي المريح كما كانت تفعل في الماضي. و يتحدث عن مشكلة "البطالة الإختيارية" حيث ترفض شرائح من المواطنين العمل إلا في المجال الحكومي. كما يتحدث عن الفقر و الفساد و تبديد الثروات و البطالة الحقيقية و التمييز العنصري ضد الأقليات. و مع أن المؤلف إستطاع الوصول إلى الكثير من مصادر المعلومات و الأرقام إلا أنني أرى بأنه قام فقط بسرد الكثير من الأرقام مقابل القليل من التحليل و التوقع بناء على هذه الأرقام.
الفصل الخامس تناول فيه المؤلف العوامل الخارجية التي تؤثر على شرعية الأنظمة الخليجية كعلاقة بعض هذه الأنظمة بإسرائيل و صفقات السلاح الباهظة التي تعقدها هذه الأنظمة مع أمريكا. كما يتحدث عن عامل التهديد الخارجي ممثلا في إيران. و يبدو لي هنا المؤلف غير حياديا و هو يلقي باللائمة على دول الخليج في تأزم علاقاتها مع إيران. فهو يرى بأن دول الخليج هي من يعادي إيران و أن هذا العداء قد تكون له عواقب وخيمة قد تهدد وجودها.
الفصل السادس إختار له المؤلف عنوانا مثيرا و هو "الإنهيار القادم".و يبدأ فيه المؤلف بالحديث عن تنامي قوى المعارضة في الدول الخليجية. و يزعم بأن قوى المعارضة لم تكن بمثل هذه القوة و التأثير في أي فترة سابقة في تاريخ المنطقة. ثم يعرج المؤلف إلى قوى التحديث و العصرنة في المنطقة مركزاً على ثورة الإتصالات و الوصول إلى المعلومات و كيف أن هذا سيكون عاملاً مهما في تغيير المعادلة السياسية في المنطقة. كما يتناول المؤلف في هذا الفصل تداعيات "الربيع العربي" و كيف أن وقوف معظم الدول الخليجية في صف الأنظمة الأوتقراطية السابقة في مصر و تونس سيكون له تأثير من جانبين. الأول هو خلق عداوة مع الأنظمة الجديدة و الثاني هو سخط الشعوب الخليجية من مواقف قياداتها و التي يصفها المؤلف بأنها وقفت في الجانب الخاطيء من التاريخ بحسب تعبيره. و يختتم المؤلف بتخصيص عدة صفحات للحديث عن سيناريوهات النهاية المحتملة لكل دولة خليجية على حدة. فيتحدث عن خلافات محتملة في مسألة الخلافة في السعودية في عصر ما بعد الملك عبدالله و كيف أن أي إضطراب في نظام الحكم سيكون له تأثير كبير على بقية الدول الخليجية. و يتحدث عن البحرين و إستحالة عودة الحالة إلى ما كانت عليه قبل أحداث فبراير و مارس 2011 و الصدع الغير قابل للرأب الذي أحدثه قمع السلطات البحرينية للمواطنين الشيعة. و يتناول أيضا غموض مسألة الخلافة  خصوصاً في عمان و أن السلطان قابوس ليس له أبناء و لم يعين ولي للعهد و لم يعين أفراد من الأسرة في مناصب قيادية تسمح لهم بتكوين شعبية و قبول جماهيري. أما بالنسبة للكويت فتحدث المؤلف عن المظاهرات الغاضبة منذ حل البرلمان مرجحا بأن تتصاعد مطالب الجماهير. و في الأمارات تناول المؤلف ظهور معارضة إماراتية و كذلك الحال بالنسبة لقطر و التي يرى المؤلف بأن سياستها الخارجية إضافة إلى قلة سكانها و ثرائها الفاحش يشكلون عوامل تحمي النظام.

بشكل عام أرى بأن الكتاب عادي و لم يأت بجديد و لم يكن بقدر إثارة الغلاف. المؤلف كان بإمكانه القيام بعملٍ أفضل خصوصاً أن الوصول للمعلومات و الإحصائيات لم يشكل عائق له. مرة أخرى يقع المؤلف في فخ التكرار و أقصد بذلك أن هناك وفرة حالياً في الكتب التي تتناول تغيرات الحالة الإقتصادية و الإجتماعية في الخليج و المؤلف في أجزاء كبيرة من الكتاب لم يأتي بجديد. نقطة الضعف الأكبر في الكتاب من وجهة نظري هي أن مجال تغطيته شمل كل دول الخليج الستة. و ربما كانت هذه هي نقطة قوة الكتاب التي أرادها المؤلف. لكن توسع المؤلف في تغطيته لكل الدول الخليجية أوقعه في مشكلة التعميم. فمن وجهة نظري من الصعب تخصيص أسباب مشتركة للتنبؤ بقرب سقوط الأنظمة الخليجية. فما قد ينطبق على السعودية قد لا ينطبق على الإمارات من الناحية الإقتصادية مثلا أو من ناحية ألية إنتقال الحكم. توسيع مجال الكتاب أيضا أدى إلى مرور المؤلف بشكل سريع على قضايا محورية كمسألة الخلافة في السعودية و عمان و السيناريوهات المرتبطة بهذه المسائل، و مسألة التطرف الديني و تهديدات وقوع ثورات مسلحة في المنطقة. كذلك لم يتناول المؤلف (كالكثير من المؤلفين الذين كتبوا عن الخليج) أنظمة الحكم المحتملة في حال سقوط الأنظمة الحالية و هل تأتي أنظمة ثيوقراطية بدلا عنها أو تتفكك هذه الدول إلى دويلات و أمارات إثنية أم تستمر الأنظمة الحالية و تتحول إلى صيغة من الحكم الملكي الدستوري إلخ.

ليست هناك تعليقات: