الجمعة، 8 مارس، 2013

عن كتاب الأسد و الصراع على الشرق الأوسط



في خضم الأحداث الدموية العنيفة التي تعصف بسوريا سواء شعرت برغبة في القراءة و الإطلاع أكثر على دولة "الأسد" الأب بعيدا عن طرح الأبيض و الأسود الذي يقدمه الإعلام سواء كان المعارض للأسد أو المنحاز له. يصر باتريك سيل الكاتب المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، يصر على أن كتابه هذا ليس بسيرة ذاتية لحافظ الأسد و إنما هو محاولة "لتصوير العالم حسبما يرى من موقع الحكم في دمشق". و في الصفحة التالية لغلاف الكتاب، يضع المؤلف العبارة التالية لأوسكار وايلد
 "الحقيقة لا تكون صرفة أبداً، و هي قلما تكون مجردة". 
و إستشهاد المؤلف بهذه العبارة قد يكون حمال أوجه. فمن جهة قد يكون دلالة على أن المؤلف ربما لا يكون مقتنع ببعض ما جاء في الكتاب خصوصاً و أنه إعتمد في معظم فصوله على مقابلات شخصية مع حافظ الأسد و مع رموز نظامه. من جهة أخرى، يمكن فهم العبارة على أن الكثير مما يطرح عن الأسد و نظامه من خارج سوريا قد يكون منافياً للحقيقة. على أي حال أجدني أميل إلى النظر إلى هذا الكتاب على أنه سيرة ذاتية للأسد و في نفس الوقت تاريخ لسوريا في النصف الثاني من القرن العشرين من وجهة نظر نظام الأسد

و باتريك سيل و الذي يكتب حالياً بشكل أسبوعي في صحيفة الحياة، يملك أسلوب ممتع في الكتابة السياسية جعلني ألتهم صفحات الكتاب الثمانمائة بسرعة و نهم. على أنه يجب ملاحظة أنه في بعض الأحيان يطرح معلومات من دون مصدر شأنه شأن محمد حسنين هيكل على سبيل المثال

أحد الفصول التي أهتممت بها كثيرا كان الفصل المتعلق بتمرد المسلحين الإسلاميين في أواخر السبعينات و بدايات الثمانينات الميلادية و الذي أنتهى بمجزرة حماة المروعة.و السبب الرئيسي لإهتمامي بهذا الفصل هو لمقارنة أحداث تلك الفترة من وجهة نظر نظام الأسد بالأحداث الجارية في سوريا اليوم. المؤلف يذكر بأن الأحداث بدأت بهجوم إرهابي في سنة 1978 إستهدف مجموعة من ضباط سلاح المدفعية. إتهم الأسد جماعة الإخوان بتنفيذه. تلاحقت الأحداث بعد ذلك و توسع التمرد المسلح و تمكن المسلحون الإسلاميون من السيطرة على بعض المدن و القرى السورية. لحظة الحسم حانت حين دبر المسلحون كميناً في حماة تدخل على إثره شقيق حافظ الأسد رفعت بقوات خاصة و بصورة شديدة العنف قضى من خلالها على التمرد المسلح و دمر حماة بشكل مروع.  إستطاع الأسد الإنتصار في نهاية الأمر. و ربما كانت أحداث الثمانينات و السبعينات صورة مشابهة و إن كانت أصغر نسبياً للأحداث التي تمر بها سوريا اليوم. و الأسد بحسب وجهة نظر المؤلف كان يدافع عن الدولة السورية في مواجهة مجموعة متطرفة دينيا.

من الفصول المثيرة ايضاً كان ذلك الذي غطى الصراع على الحكم بين حافظ و شقيقه رفعت الأسد. كذلك تغطيته للتدخل السوري في لبنان بكل تحالفاته و إنقلاباته على تلك التحالفات. و مواقف الأسد السياسية في تلك الفترة فيها براعة سياسية و إن كانت تكلفتها من الخسائر البشرية و المادية باهظة.

إنحياز المؤلف للأسد لا يمكن إخفائه و هو على أي حال عرف بأنه صديق للأسد و أسرته. المؤلف يذكر في المقدمة أن الكتاب لم يكن لينجز لولا موافقة الأسد للتحدث إليه. لكن تصوير المؤلف للأسد و كأنه العروبي الوحيد و الذي يتعرض للخداع من الجميع بمن فيهم الزعيم الراحل عبدالناصر فيه تجاوز للمنطق. نفس الشيء ايضا في تغطيته لحرب أكتوبر و تعليله لإخفاق سوريا العسكري بإستراتيجية السادات فيه ايضا انحياز و لي للحقائق. كذلك مر المؤلف بشكل سريع تقريبا تجاهل فيه انتهاكات حقوق الإنسان و التعذيب الذي كان يتعرض له السجناء السياسيون في عهد الأسد الأب. هذه نقطة ضعف في الكتاب تمنيت لو استطاع المؤلف بحكم قربه من الأسد و رجالات نظامه من تناولها بشكل اكثر وضوحا

الكتاب ظهر في آخر الثمانينات. و منذ صدوره إلى اليوم مرت سوريا بمتغيرات كبيرة جداً لكن قراءته اليوم تظل مهمة للنظر من نافذة أوسع على أحداث الثورة أو الحرب الأهلية التي تدور في سوريا اليوم و علاقة ذلك بتاريخ سوريا منذ عام 1963

ليست هناك تعليقات: