الجمعة، 15 مارس، 2013

بين النموذج التركي و النموذج الإخواني



في عدد يناير\فبراير من دورية فورين أفيرز سُئل الرئيس التركي عبدالله غول عما إذا كانت تركيا تمثل نموذجا يحتذى به بالنسبة لمصر و تونس. فأجاب الرئيس التركي بأنه "سعيد لأن هذه الدول تنظر إلى تركيا كمثلٍ أعلى نظراً لأن تركيا تمثل ديمقراطية مسلمة و ناجحة إقتصادياً" و لكنه أكد على أن "تركيا لا تلعب دور الأخ الأكبر مع هذه الدول و إنما تكتفي بمساعدتها بتقديم أسرار نجاح التجربة التركية". و بعد عامين من الإنتفاضات التي أسقطت الأنظمة الأوتوقراطية في مصر و تونس يمكن القول بأن تركيا فشلت في تقديم وصفة النجاح السياسي للتيارات الإسلامية في البلدين أو بالأصح فإن هذه التيارات لم تستوعب أبعاد النموذج التركي أو أنها أستوعبته و لكنها لا تريد تطبيقه. و لعل فكرة إستنساخ النموذج التركي على علاته في العالم العربي كانت أحد أدوات تسويق الإسلام السياسي في الأوساط الأكاديمية و السياسية الغربية بل و حتى في أوساط قطاع عريض من الجماهير العربية بعد ثورات العام 2011. و خلال العامين اللذين أعقبا الثورات العربية، كانت هناك حالة من الهوس بالنموذج التركي من قبل تيارات الإسلام السياسي. تجلى هذا الهوس في الزيارات المتكررة من قبل رموز هذه التيارات في مصر و تونس إلى تركيا و في إرسال أعضائها الشباب إلى تركيا للإستفادة من تجارب حزب العدالة و التنمية البرلمانية كما تجلى في إستعارة مصطلحات تركية خالصة كمصطلح "الدولة العميقة" لتبرير سياسة "أخونة" الأجهزة البيروقراطية في مصر.

و في الواقع ليس هناك ثمة تعريف معين لمصطلح النموذج التركي. فالباحث اليوناني و أستاذ العلوم السياسية في جامعة ييل الأمريكية ستاذيس كاليفاس يرى بأن النموذج التركي يمثل نوع محدد من التفاعل بين سياسة ذات جذور دينية من جهة و عملية اللبرلة و الدمقرطة من جهة أخرى. و هو يرى بأن هذه ظاهرة ليست جديدة تماماً بل أن لها أصل في أوروبا من خلال تطور الأحزاب المسيحية خلال القرن التاسع عشر[1] . بينما يحدد الباحث التركي الزائر لمؤسسة كارنيغي للسلام سينان أولغن  5 عناصر تشكل معالم النموذج التركي يأتي على رأس هذه العناصر الموائمة بين الإسلام السياسي و مبادىء العلمانية في ظل النظام السياسي التركي[2]. في كل الأحوال هناك نوع من الإتفاق على أن الثابت في النموذج التركي هو أن هناك ثمة تغيير و تغيير كبير في شكل و مضمون الحركية الإسلامية في تركيا و تعاطيها مع مفهوم و قيم الدولة بالتزامن مع تغيير تعامل الدولة ممثلة بالجيش و المحكمة الدستورية مع الأحزاب الإسلامية الجديدة كحزب العدالة و التنمية. و لعل أحد أبرز دلائل هذا التغيير هي التحولات التي طرأت على تجربة الأحزاب الإسلامية التركية بعد عقود من معاركها الخاسرة أمام المحكمة الدستورية تارة و الجيش تارة أخرى. فالأحزاب الإسلامية التركية بنسخها الخمسة المنحلة بداية من حزب النظام الوطني في السبعينات إلى حزب الفضيلة في مطلع القرن الحادي و العشرين ظلت خاضعة لإتجاه متشدد يقوده نجم الدين أربكان الذي عادى النظام العلماني للدولة قبل أن تنفصل مجموعة من سياسي حزب الفضيلة لتؤسس حزب العدالة و التنمية في عام 2002 و تتبنى سياسة لا تعادي نظام و هوية الدولة بل تقر بعلمانيتها و تسعى في نفس الوقت إلى إشراك القيم الدينية في الحياة العامة و تحقيق المزيد من الحرية الإقتصادية. و يصف أستاذ العلوم السياسية في جامعة ليدز ذو الكف أيدن في كتابه (The Political Economy of Turkey)  التحولات في الحركة الإسلامية في تركيا بأنها أتجهت نحو الإقتصاد و الخدمات و ليس الهوية .

 رئيس الوزراء التركي يخطب خلال إجتماع لحزب العدالة و التنمية و تظهر خلفه صورة مؤسس تركيا العلمانية كمال أتاتورك

 و في كتاب "العلمانية و الديمقراطية المسلمة في تركيا" ، يضع البرفيسور هاكان يافوز ثلاثة أسباب أسهمت في صياغة الشكل الحالي لحزب العدالة و التنمية و هي:

1-    كبح الدولة تاريخياً ممثلة في الجيش و المحكمة الدستورية للأحزاب الإسلامية
2-    الضغط الخارجي ممثلاً في إلتزام تركيا بشروط الإنضمام إلى الإتحاد الأوربي
3-    العامل الإقتصادي ممثلاً في ظهور طبقة أعمال جديدة تنتمي للأقاليم و الأرياف التركية ظهرت نتيجة للسياسة النيوليبرالية الإقتصادية لرئيس الوزراء الراحل تورغوت أوزال و التي أدت لتحرير الإقتصاد التركي في الثمانينات الميلادية و مثلت هذه الطبقة جزء كبير من ثقل الحزب و شعبيته[3].
و لعلني هنا أضيف سبباً رابعاً ساهم في بلورة الشكل الحالي لحزب العدالة و التنمية و هو الطبيعة الصوفية المتسامحة للمجتمع المسلم في تركيا و خلو التاريخ التركي الحديث من حركات إسلامية مسلحة ذات ثقل كما هو الحال في العالم العربي.



القضية
حزب الرفاه (إسلامي تقليدي أسسه أربكان و تم حله في 2001)
حزب السعادة (إسلامي تقليدي إمتداد لمدرسة أربكان)
حزب العدالة و التنمية
التحول الديمقراطي
يقر الديمقراطية لكن يسعى لترسيخ سلطة و قيم أحادية للمجتمع. يتمتع رئيس الحزب بسلطة مطلقة.
يدعم حقوق الإنسان و يعتبر الحرية الدينية جوهر حقوق الإنسان. و يرحب بعملية الإندماج في الإتحاد الأوربي
يتبنى عملية إنضمام تركيا للإتحاد الأوربي. سياسة الحزب داخلياً تجمع ما بين سلطة رئيس الحزب و ديمقراطية المغالبة. لكن مساحة المشاركة الديمقراطية داخل الحزب ضيقة.
القومية التركية
يربط القومية التركية بالتراث العثماني و الخلفية الإسلامية للإمبراطورية العثمانية
تجاهل الحزب هذه المسألة
يؤيد المواطنة الدستورية و إعادة تعريف القومية التركية بشكل يسمح بتكامل الأكراد في المجتمع التركي
مصادر القيم
يسعى لجعل القيم الدينية جزء من النظام السياسي و لا يقبل بالقيم العلمانية
يركز على القيم الأخلاقية و لكنه يقبل بالصيغة العلمانية لحقوق الإنسان كمصدر من مصادر القيم
يعترف بأهمية القيم الدينية و لكنه لا يعتبرها جزء من العملية السياسية
 فلسفة الأحزاب الإسلامية في تركيا تجاه بعض القضايا الجدلية. المصدر:  Secularism and Muslim Democracy in Turkey, Hakan Yavuz

و على العكس من التجربة التركية، فإن الملاحظ أنه لم يحدث سواء قبل أو بعد الثورة تغيير حقيقي في فكر جماعات الإسلام السياسي في مصر و على رأسها جماعة الإخوان و أقصد بالتغيير هنا التخلي عن أيديولجية "الدولة الدينية". فالصراع على قيادة جماعة الإخوان خلال إنتخابات الجماعة في عام 2010 إنتهى لمصلحة التيار المتشدد أو القطبي الذي يتبنى أدبيات الإخوان التقليدية على حساب التيار الإصلاحي رغم أن هذه الإنتخابات جاءت وسط أجواء تبشر بإنفراج سياسي في العلاقة بين الجماعة و الدولة إذ كانت الجماعة وقتها تملك 88 عضواً في مجلس الشعب. و عندما أنشقت مجموعات معتدلة نسبياً عن الجماعة بعد ثورة يناير عجزت هذه المجموعات بقيادة الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح عن إنشاء كيانات سياسية موازية تستطيع منافسة جماعة الإخوان و تجلى هذا الأمر في الهزيمة الكبيرة التي تلقاها الدكتور أبو الفتوح خلال الإنتخابات الرئاسية العام الماضي. و قبل ثورة الخامس و العشرين من يناير بنحو أربعة أعوام قدمت الجماعة مسودة لحزبها السياسي أو ما يمكن إعتباره مسودة "النموذج الإخواني". و لقد جاءت تلك المسودة صادمة للمراقبين إذ أخلت بمبادىء المساواة في المواطنة فحرمت المرأة و غير المسلمين من "الولاية العامة" كما أخلت بمبادىء الدولة المدنية عندما دعت إلى إنشاء هيئة علماء فوق تشريعية يتوجب إستشارتها من قبل السلطة التنفيذية و التشريعية. لاحقاً و عند تأسيس حزب الحرية و العدالة الواجهة السياسية للجماعة، تراجع الإخوان عن بعض الأفكار التي طرحتها المسودة و إن كان البعض ينظر إلى هذا التراجع بشيء من الريبة. فإذا كان برنامج الحرية و العدالة قد تجنب الإشارة على الورق إلى هيئة علماء فوق تشريعية فإن خيرت الشاطر نائب مرشد الجماعة و مرشحها الأساسي في الإنتخابات الرئاسية صرح في الثالث من أبريل من العام 2012 بنيته في إنشاء هيئة للحل و العقد تعين البرلمان على تحقيق هدفه الأول و هو تطبيق الشريعة[4]. و إذا كان الدستور المصري الجديد الذي صاغته أغلبية تنتمي لتيارات الإسلام السياسي قد أقر بشكل عام مبدأ المساوة في الحقوق السياسية إلا أنه إحتوى على بعض المواد الملغومة كالمادة 219 و التي يمكن إستغلالها لتسويغ قوانين فاشية و هذا ما ألتقطه التيار السلفي بسرعة و ظهر من خلال الحديث المسرب للقيادي السلفي ياسر برهامي. في كتاب "الديمقراطية، الإسلام و العلمانية في تركيا"، يشبه ستاذيس كاليفاس الجذور الدينية لحزب العدالة و التنمية بالعربة التي أستقلتها مجموعة من العصاميين و رجال الأعمال في قرى و أقاليم الأناضول لتحقيق أدوار سياسية و إقتصادية أكبر. في الحالة المصرية يمكن القول بأن العربة قد أستقلتها مجموعة من رجال الدين المتشددين لتحقيق أهداف سياسية و دينية متشددة. و لا أدل على ذلك أكثر من تراجع شعبية الأحزاب الدينية مؤخراً و إنحصار التأييد لهذه الأحزاب في فئة معينة و هذا الأمر يمكن ملاحظته من خلال المظاهرات التي تدعوا إليها الأحزاب الدينية و التي تكتسي بطابع ديني واضح عكس مظاهرات المعارضة و التي تشارك فيها جميع الأطياف.

                                                                               مظاهرة للإسلاميين في الإسكندرية في ديسمبر 2012


بعد عامين من الإنتفاضات العربية، يبدو الحديث عن إستنساخ النموذج التركي في دول الثورات العربية و تحديداً مصر ضرباً من الخيال. فالمقومات التي صاغت الشكل الجديد و المعتدل للإسلام السياسي في تركيا لم تتوفر في مصر. فقبول الدولة و المجتمع بالإضافة إلى المجتمع الدولي للظهور الرسمي للإحزاب الإسلامية في مصر لم يقابله تغيير حقيقي في فكر هذه الأحزاب. فجماعة الإخوان ترى بأن وصولها إلى الحكم هو إنتصار نهائي لأيديولوجيتها على "هوية الدولة المصرية" و هو ما أشار إليه القيادي في حزب الحرية و العدالة عبدالموجود الدريري في كلمة له امام مجلس العلاقات الخارجية الامريكي عندما تحدث عن أن الثورة المصرية إستغرقت 213 عام في إشارة ضمنية إلى أنها ثورة على هوية الدولة التي عرفتها مصر طيلة قرنين من الزمان[5]. و من الناحية الإقتصادية فإن الكتلة الإنتخابية للإسلاميين تتركز في الأوساط الأكثر فقراً و أمية كما ظهر في إنتخابات الرئاسة و في الإستفتاء على الدستور حيث صوتت المحافظات الأشد فقراً و الأعلى في نسبة الأمية لصالح الرئيس محمد مرسي و لصالح الدستور الجديد. و هذه الكتلة من المؤيدين تختلف عن مؤيدي العدالة و التنمية في تركيا بأنها غير قادرة على الضغط من أجل تحقيق نهضة إقتصادية كما حصل في تركيا. بالتأكيد لا يمكن حذف الإسلام السياسي من المعادلة السياسية في مصر و العالم العربي و لكن لا يمكن للمعادلة السياسية بشكلها الحالي في مصر أن تقود إلى نهضة إقتصادية و إستقرار سياسي بل إنها على الأرجح ستقود إلى إنهيار إقتصادي و إنهيار للدولة. نجاح الإسلاميين في الحكم سيتطلب تغيير في أفكارهم تجاه الدولة و المجتمع و هذا التغيير بدوره سيحتاج إلى قوى ضبط و توازن لكي يحدث. و ربما تكون المؤسسة العسكرية هي الأقدر على تحقيق هذا التوازن اذا ما قررت العودة إلى السياسة لإعادة تقويم المسار. و إذا كان البعض يتخوف من تكرار سيناريو الحرب الأهلية في الجزائر في حال قرر الجيش المصري التدخل لإبعاد الرئيس مرسي، فإنني أرجح بأن الأمور لن تصل إلى هذا الحد. فالإسلاميون سيتقبلوا و على مضض إسقاط مرسي من أجل ضمان إستمراريتهم في المسرح السياسي مستقبلا.


[1] Ahmet T. Kuru & Alfred Stepan Democracy, Islam, and Secularism in Turkey (Colombia University Press) P 189
[2] Can the Turkish Model Gain Traction in the New Middle East http://carnegieendowment.org/2011/12/19/can-turkish-model-gain-traction-in-new-middle-east
[3] Hakan Yavuz Secularism and Muslim Democracy in Turkey (Cambridge University Press) P 45
[4] الشاطر يعلن تشكيل مجموعة من أهل الحل و العقد لمعاونته على تطبيق الشريعة. المصري اليوم 4\4\ http://www.almasryalyoum.com/node/751541 2012
[5] Eric Trager, The Muslim Brotherhood’s 213-Year Revolution, The Atlantic Feb 15 2013