الأربعاء، 8 يناير 2014

العلمانية في العالم العربي .. مفترية أم مفترى عليها

نشرت في مجلة المجلة بتاريخ 1 يوليو 2013
http://www.majalla.com/arb/2013/07/article55246232



في خطاب سبتمبر 1981 الشهير وصف الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات نفسه بأنه "رئيس مسلم لدولة إسلامية". و في نفس الخطاب تهكم السادات على معارضيه من حزب التجمع اليساري العلماني واصفاً المنتسبين إليه "بالملحدين".و سبق ذلك بنحو عام تعديل المادة الثانية في الدستور المصري لتنص على أن الإسلام هو دين الدولة و مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع بعد أن كانت مجرد مصدر من مصادر التشريع في دستور عام 1971. و لم تكن تلك النصوص الدستورية مجرد حبر على الورق بل أخذت طريقها إلى التطبيق الفعلي خلال السبعينات الميلادية و ذلك في المؤسسات الثقافية و التعليمية و حتى التشريعية إذ عكف مجلس الشعب المصري برئاسة رئيس المجلس أنذاك الدكتور صوفي أبو طالب على إعداد مشروع ضخم لتقنين الشريعة الإسلامية تمهيداً لتطبيقها. و مع ذلك لم تكن تلك الصبغة الدينية القوية التي غلف بها السادات مصر في السبعينات كافية لحمايته من غدر الإسلاميين. ذلك أنه و بعد أسابيع قليلة من خطابه الشهير كان على موعد مأساوي مع الإغتيال على يد الجماعات الإسلامية. كذلك لم يكن تضمين الدستور نصوصاً تقر الهوية الدينية للدولة كافياً لإثناء الإسلاميين عن رفع شعارهم الشهير في السبعينات و الثمانينات "الإسلام هو الحل". و في الواقع لم تكن مصر السادات هي الدولة العربية الوحيدة التي إختلط فيها الدين و الدولة دستورياً. فحتى أكثر الدول العربية التي توصم بالعلمانية كتونس بورقيبة و عراق البعث و الجزائر الإشتراكية ظلت دساتريها تنص على أن الإسلام هو دين الدولة و في أغلب الأحيان تنص على ضرورة أن يكون رأس الدولة مسلماً و هذه مواد دستورية تتناقض مع فكرة علمانية الدولة. و قد يجادل البعض هنا بأن مجرد ورود نصوص دستورية تنص على إسلامية الدولة لا يعني بالضرورة أنها طبقت على أرض الواقع و أن هذه النصوص هي في الأغلب جزء من لعبة سياسية. و هذا رأي قد يحمل درجة من الصحة و لكنه أيضاً يتناقض مع حالات كثيرة رضخت فيها الدولة في العالم العربي إلى رغبات المؤسسات الدينية في قضايا جدلية و فرضت فيها الفتوى الدينية سطوتها على القانون. من الأمثلة على ذلك حظر رواية المؤلف السوري حيدر حيدر "وليمة لأعشاب البحر" في عدة دول عربية و حكم القضاء المصري بردة المفكر نصر حامد أبوزيد و تفريقه عن زوجته و محاكمة الشاعر الأردني موسى الحوامدة في الأردن بتهمة الردة وقبل ذلك بعقود طويلة و خلال العصر الليبرالي العربي في عشرينات القرن الماضي كانت الحادثة الشهيرة التي قامت فيها مؤسسة الأزهر و بإيعاز من الملك فؤاد بسحب شهادة الشيخ الأزهري علي عبدالرازق بعد أن أشار في كتابه الشهير "الإسلام و أصول الحكم" بأن العلمانية لا تتنافى مع الإسلام . و في كل الأحوال فإنه يمكن القول بأن نموذج العلمانية الإقصائية التي تبعد الدين من الحياة العامة كما هي الحال في فرنسا و تركيا الكمالية لم يكن حاضراً في معظم الدول العربية ذلك أن القوانين التي تحظر الحجاب في الأماكن العامة أو تمنع التعليم الديني في المدارس أو ترفض إحياء المناسبات الدينية لم يكن لها حضور في حالة الدول العربية ربما بإستثناء تونس. 



ولقد ظلت تهمة "العلمانية" تلاحق الأنظمة العربية منذ نشأة الدول العربية في النصف الأول من القرن العشرين و حتى وصول الإسلاميين إلى الحكم في عام 2011. بل إن المفارقة أن الإخوان المسلمين في مصر و النهضة في تونس و اللذان إستمدا جزء من شعبيتهما في الماضي عبر الترويج لفكرة علمانية الأنظمة العربية و عدائها للإسلام طالتهما سهام الإتهام بالعلمنة عقب الوصول للحكم و ذلك من قبل السلفيين و الحركات الجهادية. و لعل الأسباب الرئيسية التي ساهمت في الرواج الشعبي للتصور القائل بعلمانية الأنظمة العربية هي العداء المتبادل بين هذه الأنظمة و جماعات الإسلام السياسي أولاً و مسألة تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية ثانياً. بالنسبة للسبب الأول فإن العداء بين أنظمة الحكم العربية و الإسلام السياسي يندرج تحت خانة الصراع السياسي و لا يمكن إعتباره بأي حال من الأحوال عداء تجاه الدين و الشواهد على ذلك عديدة لعل أبرزها هو التحالف و في بعض الأحيان التواؤم الوقتي بين جماعات الإسلام السياسي و الأنظمة الحاكمة. و من ذلك تحالف الإخوان المسلمين مع الضباط الأحرار عقب ثورة يوليو في مصر و حتى العام 1954 عندما دب الخلاف بين الطرفين. و هنا ينبغي الإشارة إلى أن قمع و حظر المشاركة السياسية على الجماعات الدينية في العالم العربي لم يكن حصرياً عليها  بل كان جزء من ممارسات إستبدادية و شمولية للأنظمة العربية شملت أيضاً حظر الأحزاب العلمانية الشيوعية و التي لاقى المنتسبون إليها صنوفاً من التنكيل في السجون قد يتجاوز ما لاقاه الإسلاميون. أما بالنسبة للسبب الثاني أي تطبيق الشريعة الإسلامية و هي القضية المركزية لكل جماعات الإسلام السياسي و المحرك الدعائي للإحزاب الإسلامية الحالية في العالم العربي فهي قضية فيها شيء من التضليل. فليس صحيح على الإطلاق ما يروج من أن أحكام القانون في معظم الدول العربية هي أحكام وضعية فالقانون المدني المصري الصادر في عام 1948 و الذي نقلته أو إعتمدت عليه دول عربية أخرى منها ليبيا و العراق و سوريا تتفق كثير من أحكامه التفصيلية مع الشريعة الإسلامية. فمسائل الأحوال الشخصية على سبيل المثال و ما يتعلق بقوانين الزواج و الميراث و الوصية و الكثير من القوانين التجارية تتفق مع أحكام القرآن الكريم و السنة النبوية. و ربما تكون المسألة الأبرز التي لا يتم فيها التطبيق الحرفي للشريعة هي مسألة تطبيق الحدود في القضايا الجنائية و هي مسألة شرطية كما يرى المعارضون لتطبيقها من الفقهاء الدستوريين كالمستشار المصري محمد سعيد العشماوي تستلزم عدالة المجتمع و إختفاء ظواهر إقتصادية كالبطالة و الفقر.
و في ورقة بحثية بعنوان "سياسة ذات مرجعية دينية بدون دولة إسلامية" صادرة عن معهد بروكنغز الدوحة، يفرق الباحث التركي أحمد كورو بين نمطين للعلمانية. علمانية إقصائية تستبعد الدين من الحياة العامة كما في تركيا سابقاً و علمانية سلبية تسمح بحرية الممارسة الدينية و ترعاها. و الأخيرة هي التي قصدها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في تصريحاته التي أثارت حنق الإسلاميين خلال زيارته لدول الربيع العربي في صيف عام 2011 عندما أشار إلى أن الدولة العلمانية ليست ضد الدين و إنما تكفل الحريات الدينية. و يقترح الباحث التركي أحمد كورو في نفس الورقة على الدول العربية تبني مصطلح الدولة المحايدة كبديلاً للدولة العلمانية نظرأ للحساسية التي قد يحملها البعض تجاه مصطلح العلمانية. و الدولة المحايدة أو العلمانية السلبية تتبنى فيها السلطة السياسية موقفاً مستقلا من المؤسسات الدينية و محايدا تجاه جميع الأديان و في نفس الوقت تضمن الحرية الدينية لجميع المواطنين. و وفق هذا التعريف لا يمكن بأي حال من الأحوال إعتبار أنظمة عربية مثل نظامي الأسد في سوريا و صدام حسين في العراق سابقا علمانيين و ذلك بسبب موقفهم الغير محايد تجاه السنة في سوريا و الشيعة في العراق. و يرى المفكر اللبناني جورج طرابيشي صيغتين للعلاقة بين الدولة و الدين. فإما أن تكون هناك روابط موصولة بين الدولة و دين محدد يحكمها و يقودها سياسياً (دولة ثيوقراطية) أو أن تدعم الدولة الدين و تقوده (دولة طائفية). و إما أن يكون هناك إنفصال بين الدولة و الدين متفاوت في حديته فتكون بالتالي دولة علمانية. و إذا ما طبقنا صيغ العلاقة بين الدولة و الدين التي يقترحها طرابيشي على العالم العربي و بالإستناد إلى التجارب التاريخية التي وردت في بداية هذا المقال لأمكننا القول بأن العلمانية بشكل عام و نموذج العلمانية الإقصائية بشكل خاص لم يتواجدا في العالم العربي إلا بشكل ضيق و في إطار إستبدادي بغرض حظر المنافسة السياسية و ليس أيديولوجي. كذلك يمكن القول بأنه لا يمكن للعلمانية الإقصائية أن تتواجد مستقبلا في العالم العربي بسبب ما يشكله الدين الإسلامي من مرجعية إجتماعية و ثقافية للعرب. و في مجتمعات متعددة عرقياً و دينياً بل و حتى مذهبياً بين أفراد الدين الواحد كما في العالم العربي تصبح فكرة العلمانية السالبة أو الدولة المحايدة التي تعكف على تقديم الخدمات للمواطنين و تكفل حريتهم الدينية و تتيح لهم الفرص المتساوية دون تفريق ديني أو عرقي هي طوق النجاة من خطر التقسيم و الإحتراب الأهلي.

هناك تعليق واحد: