الأربعاء، 8 يناير 2014

الصين و روسيا و نهاية "نهاية التاريخ"

نشرت في مجلة المجلة في العدد الورقي لشهر ديسمبر 2013
http://www.majalla.com/arb/2013/12/article55249217



يضطر الكثير من المسافرين الأجانب إلى الصين إلى تنبيه أصدقائهم على الشبكات الأجتماعية كتويتر و فيسبوك بأنهم مضطرين إلى الغياب قسرياً عن المشاركة و الرد في هذه الشبكات خلال فترة سفرهم و ذلك لأن الصين تحظر هذين الموقعين. و لأن الحاجة هي أم الإختراع فقد تمكنت شركات التقنية و البرمجيات الصينية من توفير بديل منافس لتويتر ممثلاً في شبكة "سينا ويبو" و التي يبلغ عدد المشاركين فيها حوالي 500 مليون أي تقريباً نفس عدد المشاركين في تويتر. الشركة المطورة لشبكة ويبو إقتبست الكثير من الخصائص الموجودة في تويتر كخاصية ال 140 حرف و إستخدام الهاشتاق و لكنها في نفس الوقت طورت خصائص تسمح بفرض رقابة صارمة على المحادثات في الشبكة تتماشى مع سياسة الحكومة الصينية في الرقابة على الإنترنت. شبكة ويبو هي نسخة مصغرة من الصورة السياسية للصين. نظام أوتوقراطي يرفض الديمقراطية علانية و يضع قيود صارمة على الحرية السياسية لكنه إستطاع تطويع الرأسمالية بشكل سمح له تحقيق نمو إقتصادي و صناعي و تكنولوجي مذهل. تشكل الصين اليوم رأس الحربة لقائمة الأنظمة السياسية الناجحة إقتصادياً و المستقرة سياسياً و لكنها في نفس الوقت غير ديمقراطية. هذه القائمة تشمل دول كبرى كالصين و روسيا و دول أصغر كسنغافورة و الإمارات. الصين و إلى جوارها روسيا تراهنان على أن نظامي الحزب الواحد في الصين و الدولة الأبوية في روسيا يضمنان أداء حكومي أكثر فاعلية بالإضافة إلى ضمان الإستقرار المجتمعي و هو رهان قد يجد أصداء واسعة في مناطق العالم التي شهدت عمليات التغيير السياسي فيها نحو الديمقراطية إضطرابات كبيرة تهدد وحدتها السياسية و سلامتها الإجتماعية.
في عام 1950 مثّلت إقتصادات الصين و البرازيل و الهند ما مجموعه 10% فقط من حجم الإقتصاد العالمي. لكن في عام 2050 و بحسب توقعات تقرير التنمية البشرية للعام 2013 و الصادر من الأمم المتحدة فإن إقتصادات هذه الدول الثلاث ستشكل 40% من حجم إقتصاد العالم. و قبل نحو 4 أعوام توقعت دراسة صادرة من بنك غولدمان ساكس بأن تكون دول ما يعرف بالبريك (BRIC) أي الصين و روسيا و الهند و البرازيل من ضمن أكبر 5 إقتصادات في العالم بحلول العام 2050 إلى جوار الولايات المتحدة متجاوزة بذلك إقتصادات القوى الغربية التقليدية أي ألمانيا و فرنسا و إنجلترا. و لئن بدى الحديث عن شكل الإقتصاد العالمي بعد 40 عام من اليوم ضرباً من التنجيم في ظل التغييرات الجيوسياسية و التحولات الإقتصادية التي تعصف بالعالم، فإن الأرقام الإقتصادية الحالية تشير إلى أنه و للمرة الأولى منذ 150 عام يتساوى مجموع الناتج المحلي للصين و البرازيل و الهند بنظيره من الدول الغربية الصناعية. هذه الأرقام و التحولات في موازين القوى الإقتصادية العالمية دفعت الأمم المتحدة لإختيار عبارة "صعود الجنوب" كعنوان فرعي لتقرير التنمية البشرية لهذا العام تعبيراً عن الصعود الغير مسبوق من ناحية الحجم و السرعة لدول العالم من خارج منظومة الدول الغربية. الفكرة الغربية كانت على الدوام هي أن الديمقراطية الليبرالية و معها الرأسمالية التي ترافقت مع الثورة الصناعية قادتا إلى إنتصار الغرب النهائي بنهاية القرن العشرين. لكن الصين و روسيا تمضيان في طريقهما لدحض هذه الفكرة بتبنيهما لنسخة معدلة من الرأسمالية و لفظهما للديمقراطية الليبرالية..
العام 2010
العام 2050
أمريكا
الصين
الصين
أمريكا
اليابان
الهند
المانيا
البرازيل
فرنسا
روسيا
جدول يبين أكبر إقتصادات العالم بين العام 2010 و توقعات العام 2050. المصدر: كتاب عالم ليس لأحد من تأليف تشارلز كوبشان
فكرة صعود قوى إقتصادية جديدة من خارج نصف الكرة الأرضية الغربي ليست بالشيء الجديد فقد تم طرحها مراراً منذ نهاية العقد الأخير من القرن الماضي. لكن هذه الفكرة تكتسب زخماً جديداً عندما يقترن الصعود الإقتصادي بصعود لأنظمة سياسية فاعلة بديلة للديمقراطيات الليبرالية و عندما تواجه هذه الديمقراطيات الليبرالية متاعب إقتصادية و إجتماعية بسبب العملية الديمقراطية نفسها. فالعواقب الوخيمة للأزمة الإقتصادية العالمية في العام 2009 و التي عانت منها معظم الإقتصادات الغربية وتجاوزتها الصين أظهرت فاعلية النظام الإقتصادي و السياسي في الصين و الذي يميل إلى التخطيط المركزي و تتبع فيه الحكومة سياسة محافظة في تنظيم السوق. و الصين تحديداً شكلت تحدياً لنظريات التحول الديمقراطي منذ السبعينات الميلادية. فعلى عكس ما توقعه الغرب، لم يؤد تحرير الإقتصاد الصيني و التحول بإتجاه إقتصاد السوق إلى إنفتاح سياسي و تحول ديمقراطي. و يرجع البعض السبب في ذلك إلى القيم الإجتماعية في الصين و التي تقدم مصلحة الجماعة و العائلة على الفرد على العكس من المجتمعات الغربية. لكن هناك سبب آخر أكثر إقناعاً ألا و هو مرونة و قدرة النظام في الصين ممثل في الحزب الشيوعي على التكيف مع التحولات السياسية و الإقتصادية. فبعد أن إستطاع النظام و بوحشية تجاوز الموجة الإحتجاجية الغاضبة في عام 1989 و بالتالي تفادي مصير الأنظمة الشيوعية حول العالم التي سقطت بنهاية ذلك العام، لجأ الحزب إلى إحتواء و جذب الطبقة المتوسطة الصينية من رجال الأعمال و العصاميين و التكنوقراط و هي الطبقة التي دائما ما يعول عليها في عملية التحول نحو الديمقراطية. و لقد كان العام 2001 فارقاً في تاريخ الحزب الشيوعي الصيني عندما أعلن رئيس الحزب وقتها "جيانغ زيمين" عن فتح أبواب الحزب لإنضمام رجال الأعمال محطماً بذلك الصورة النمطية التي تربط الأحزاب الشيوعية بالعمال و الفلاحين فقط و مدشناً تحالف بين النظام السياسي و القطاع الخاص في الصين و بالتالي شراكة في قطف ثمار النجاح الإقتصادي. إذ يشير الباحث الأمريكي تشارلز كوبشان الباحث في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي في كتابه "عالم ليس لأحد" بأن نحو ثلث رواد الأعمال في الصين هم أعضاء في الحزب الشيوعي. و يقدر عدد الأعضاء في الحزب الشيوعي الصيني اليوم بحوالي 80 مليون عضو. و لقد ساهم التوسع في ضم الأعضاء إلى الحزب الشيوعي الصيني في خلق نوع من التعددية الفكرية داخل الحزب و التي أثمرت في تبني الحزب لسياسات و برامج سياسية و إقتصادية فاعلة خصوصاً في مجال مكافحة الفساد. كما أن أحد أبرز ملامح التغيير في الحزب الشيوعي الصيني هو تبنيه لمفهوم القيادة الجماعية و التي تضمن عدم ظهور ديكتاتوريات فردية.
الأزمة الأخيرة التي واجهتها الحكومة الفيدرالية الأمريكية و التي أدت إلى إقفال جزئي لأنشطة الحكومة لمدة أسبوعين دفعت وزير الخارجية الأمريكي جون كيري إلى التحذير من أنها قد تؤثر على السياسية الخارجية لبلاده. و لكن ربما كان التوصيف الأكثر دقة و الذي لم يقله كيري هو أن هذه الأزمة تؤثر سلباً على صورة بلاده في الخارج و على صورة النظام الديمقراطي الذي تسعى الولايات المتحدة إلى تسويقه حول العالم. أو بشكلٍ أوضح فإن الأزمة تُظهر بأن النظام الديمقراطي في أحيانٍ كثيرة قد لا يكون النظام الأكثر فاعلية لإتخاذ القرار و هذا ما يسعى الكثير من المسؤولين الصينين إلى تأكيده و الرهان عليه. و قد يجادل بعض المحللين الأمريكيين بأن الأزمة هي في الحقيقة تعكس جوهر النظام الديمقراطي الذي يتطلب وجود أداة لتحقيق الضبط و التوازن من قبل الجهاز التشريعي و الرقابي في الدولة. لكن هذه الأداة في الواقع تفقد قيمتها عندما تصبح أداة سياسية تحد من فاعلية الحكومة و ستفقد أي معنى لها بالنسبة للألوف من الفقراء الأمريكيين الذين تسبب الإغلاق الجزئي للحكومة في حرمانهم من خدمات بنوك الطعام. كما أنها تصبح أداة مثيرة للسخرية عندما تسمح بممارسة المماطلة السياسية (Filibuster) في البرلمانات و لساعات قد تتجاوز العشرين ساعة في جلسة واحدة لتعطيل مشروع قرار كما فعل النائب الجمهوري الأمريكي تيد كروز مؤخراً. و في إستطلاع للرأي أجرته مؤسسة غالوب في شهر يونيو من هذا العام إحتل الكونغرس المركز الأخير من بين مجموعة من المؤسسات الأمريكية من حيث ثقة الناس بها. إذ عبر 10% فقط عن ثقتهم بالكونغرس من بين العينة التي خضعت للإستطلاع و هي النسبة الأقل التي تحصل عليها أي مؤسسة سياسية في أمريكا في تاريخ إستطلاعات غالوب. و من زاوية رؤية صينية و على الرغم من إنتهاكات حقوق الإنسان في الصين، فإن كل المؤسسات و الأدوات الديمقراطية في أمريكا لم تمنع وصول سياسيين للحكم تسببوا في قتل الألأف من الأبرياء في العراق و في إنتهاك حقوق الإنسان في سجون غوانتانموا.




في روسيا، عندما إندلعت الحركة الإحتجاجية في أواخر عام 2011 سعى الإعلام الغربي مدفوعاً بشيء من التفكير الرغائبي إلى تصوير هذه الإحتجاجات على أنها "ربيع روسي" كما فعل وقتها الكاتب الأمريكي توماس فريدمان. و لكن العاصفة، إن جاز لنا أن نسميها عاصفة، مضت و أنتصر الرئيس بوتين. و بغض النظر عن التقارير الغربية التي تتحدث عن الأساليب القمعية التي يتبعها بوتين و عن المعارضة التي تتطلع إلى بناء ديمقراطية ليبرالية في روسيا، فإن الأرقام تتحدث عن واقع مختلف و عن تصاعد الحنين إلى الحقبة السوفيتية و ليس إلى نموذج الديمقراطية الليبرالية. ففي إنتخابات برلمان 2011 صوت 20 مليون شخص لصالح الحزبين الشيوعي و الديمقراطي (يميني قومي) و هما حزبان معارضان لبوتين. و بالتالي حتى و لو أفترضنا جدلاً بأن الإنتخابات قد تم تزويرها لصالح حزب "روسيا المتحدة" الحاكم فإن البديل لن يكون ديمقراطياً غربياً بل قد يكون أكثر تشدداً من حزب بوتين.  و في إستطلاع للرأي أجراه مركز ليفادا البحثي في موسكو العام الماضي أشارت 22% فقط من العينة إلى أنها تنظر بشكل سلبي إلى الزعيم الروسي الدموي جوزيف ستالين. هذه الأرقام لا تعني بالضرورة الحنين إلى السياسات القمعية للإتحاد السوفييتي بقدر ما هو حنين إلى الدولة القوية و التي أنهارت في التسعينات وإرتبط إنهيارها في تلك الفترة بسياسة الرئيس الراحل بوريس يلتسين الذي سعى إلى تطبيق الديمقراطية الليبرالية و تفكيك المركزية فكانت النتيجة أن تسبب في ضعف سلطة الحكومة و إرتفاع معدلات الفساد و التضخم. و قد سعى بوتين منذ توليه الرئاسة و بعد ذلك رئاسة الوزراء إلى إعادة المركزية و ترسيخ مفهوم الدولة القوية مستنداً إلى فكرة أن العقلية الروسية تفضل مصلحة الجماعة بينما تفضل العقلية الأمريكية و الغربية عموما مصلحة الفرد كما ذكر في مقابلة مع قناة روسيا اليوم. و لقد سمح إرتفاع أسعار النفط و الغاز في السنوات العشر الأخيرة بتحقيق رخاء إقتصادي في روسيا و تحقيق نوع من السيادة الإقتصادية إذ يمثل الدين الخارجي لروسيا نحو 23% فقط من إجمالي الناتج القومي مقارنة بأمريكا و أغلب دول الإتحاد الأوربي التي يمثل الدين الخارجي فيها أكثر من 100% من الناتج القومي. لكن النفط قد يتحول إلى نقمة أو إلى ما يعرف بالمتلازمة الهولندية على المدى البعيد إذا ما عجزت روسيا عن تنويع مصادر دخلها و تطوير قطاعات صناعية تقلص من إعتمادها الكبير على الصادرات النفطية. و هذا ما تنبهت إليه الحكومة الروسية فأعلنت في عام 2010 عن برنامج لتنويع الإقتصاد و التركيز على تطوير صناعات البرمجيات و تقنيات النانو و الدواء و الطاقة النووية. في الوقت الراهن على الأقل، سمح النفط بالإضافة إلى الصناعة الحربية و الترسانة العسكرية الروسية لبوتين ببناء نظام سياسي أوتوقراطي ذو واجهة ديمقراطية يرسخ سلطة الدولة على حساب حرية الفرد لكنه يحظى بقبول لدى شعبه و يقدم بديل فاعل للديمقراطيات الليبرالية. و لقد ظهرت قدرات هذا النظام دولياً عندما تمكنت الديبلوماسية الروسية من إحباط الضربة العسكرية الأمريكية للنظام السوري ثم عادت فنجحت في تمرير مبادرة لنزع السلاح الكيماوي من نظام الأسد.
في عام 1984 و في مقالة له بمجلة العلوم السياسية الربع سنوية توقع المفكر الأمريكي صامويل هنتغنتون بأن إنتشار الديمقراطية الليبرالية قد وصل إلى مداه الأقصى و ذلك بسبب وجود دول و مناطق غير قابلة للتحول ديمقراطياً إما بسبب فقرها المزمن أو بسبب وجود عوائق ثقافية و إجتماعية. لكن الثورات الديمقراطية في جنوب شرق آسيا و في أوربا الشرقية خلال النصف الثاني من الثمانينات أثبتت خطأ تصور هنتغنتون و الذي أصدر عقب سقوط الشيوعية في أوروبا كتابه الشهير "الموجة الثالثة" ثم قام بعد ذلك تلميذه فرانسيس فوكوياما بإصدار نظريته الشهيرة "نهاية التاريخ" معلناً أن قيم الديمقراطية الليبرالية تمثل أفضل النظم السياسية التي يمكن أن تصل إليها البشرية. إلا أن تجارب نقل الديمقراطية الليبرالية لمناطق جديدة في العالم خلال السنوات العشر الأخيرة مضت بشكل سيء و مأساوي في بعض الأحيان. ففي أفغانستان و العراق فشلت تجربة فرض الديمقراطية بالقوة و أنتهت إلى دولة فاشلة في أفغانستان و دولة تواجه دوامة لا تنتهي من الإرهاب و الطائفية و التفكك السياسي في العراق. و في دول الربيع العربي تبدو صورة المستقبل شديدة القتامة و لا تخرج من سيناريوهات التفكك و الدولة الغير فاعلة. يقابل هذا صورة ساطعة لصعود إقتصادي و إستقرار سياسي لدول أوتقراطية كالصين و إلى حدما روسيا. لقد تخلصت الصين و روسيا من أعباء نشر الأيديولجية الشيوعية البغيضة و بالتالي أصبحت صورة البلدين أكثر قبولاً حول العالم. و إذا ما نجحت الدولتان في تسويق نظاميهما السياسيين بسلعتي النجاح الإقتصادي و الإستقرار السياسي و إضافة مسحة أكثر إنسانية لسياساتهما الداخلية الغير ديمقراطية فإنهما سيحظيان بقبول أكثر حول العالم و يفرضان صراع أفكار و قيم جديد في القرن الحادي و العشرين كما تنبأ بذلك المؤرخ الأمريكي روبيرت كاغان في كتابه "عودة التاريخ و نهاية الأحلام"
 

ليست هناك تعليقات: