الأربعاء، 8 يناير 2014

الجيش و الدولة في الشرق الأوسط بعد الثلاثين من يونيو

نشرت في مجلة المجلة بتاريخ 23 يوليو 2013



قبل عدة أيام، أقر البرلمان في تركيا تعديلاً على المادة 35 من القانون الخاص بالجيش التركي و التي شكلت في الماضي ذريعة قانونية سمحت للجيش بالتدخل سياسياً لحماية الجمهورية و الدستور من بعد إنقلاب عام 1960. التعديل الجديد الذي أقره نواب كل من حزبي العدالة و التنمية الحاكم و الشعب الجمهوري المعارض و أعترض عليه الحزب القومي الكمالي يحصر مهمة الجيش في حماية حدود الدولة من العدوان الخارجي و يلغي دوره التاريخي كحامي للدستور. هذا التعديل يأتي كخطوة جديدة في سبيل إخضاع المؤسسة العسكرية التركية للسلطة المدنية و ذلك تماشياً مع متطلبات الإتحاد الأوروبي و التي تشترط تعديلات جذرية في العلاقات المدنية العسكرية للسماح بإنضمام تركيا إلى الإتحاد الأوروبي. و خلال العامين الماضيين بدا و كأن العلاقات المدنية العسكرية أو العلاقة بين الجيش و الدولة في 3 من أهم دول الشرق الأوسط تتجه نحو صيغة جديدة تتفق مع تصور الدول الغربية و الديمقراطيات الليبرالية لهذه العلاقة وهو التصور الذي يستبعد أي دور سياسي للجيش في الدولة و يتوقع منه خضوعاً تاماً للسلطات المدنية المنتخبة. ففي تركيا في صيف العام 2011 قدم الجنرال أسيك كوسانر قائد أركان الجيش التركي و معه قادة الأفرع الرئيسية للجيش إستقالتهم لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بعد ساعات من إعلان فوز حزب العدالة و التنمية في الإنتخابات العامة. و قد فُسرت هذه الإستقالات الجماعية على أنها إحتجاج من الجيش التركي على المحاكمات المسيسة لأكثر من 300 من جنرالات و ضباط الجيش التركي بتهم التآمر للإنقلاب على نظام الحكم فيما عرف بمؤامرتي "المطرقة" و "إرغنيكون". و رأى المراقبون بأن إستقالات الجنرالات هي إعتراف بالأمر الواقع من قبلهم و قبول بخضوع الجيش التركي للسلطة المدنية بشكل غير مسبوق في تاريخ الجمهورية التركية. أما في مصر و في صيف العام الماضي تحديداً فقد أطاح الرئيس المعزول محمد مرسي و بشكل مفاجئ بقيادات المجلس العسكري الذي قاد مصر في المرحلة الإنتقالية المضطربة التي تلت ثورة يناير. و تقبل الجيش المصري عملية التغيير هذه بصمت على الرغم من مخالفتها للإعلان الدستوري المكمل و الذي تم إصداره قبيل إعلان نتائج إنتخابات الرئاسة المصرية. و في باكستان التي عرفت عبر تاريخها 3 إنقلابات عسكرية و علاقة متشابكة بين الجيش و السياسة، فقد بدأ فصل جديد و مختلف في هذه العلاقة بوصول الجنرال أشفق كياني إلى رئاسة الأركان بعد خروج برويز مشرف من الحكم سنة 2008. فقد تعهد كياني و في أكثر من مناسبة بأنه لا رغبة للجيش في الخوض في الشؤون السياسية في باكستان. و كان الجيش عند وعده خلال الإنتخابات العامة الأخيرة مطلع هذا العام حيث إلتزم الحياد في أشرافه على العملية الإنتخابية و تقبل الأحكام الصادرة بحق قائده الأعلى سابقا برويز مشرف و الذي حكم القضاء بمنعه من المشاركة في الإنتخابات و بوضعه تحت الإقامة الجبرية.
الدوائر الغربية إستقبلت هذه التحولات في العلاقة بين 3 من أكبر الجيوش في الشرق الأوسط و السلطات المدنية في بلدانها بالترحاب و أعتبرتها خطوة هامة في سبيل ترسيخ الديمقراطية. فالجيش في الديمقراطيات الليبرالية محايد و منفصل بشكل كبير عن عالم السياسة و السياسة الداخلية تحديداً. و الحالات النادرة التي يتم فيها إستدعاء القوات المسلحة إلى المشهد المحلي تكاد تنحصر في المساعدة أثناء الكوارث الطبيعية أو لحفظ الأمن في الحالات الإستثنائية كما حصل في أحداث الشغب في مدينة لوس أنجلوس الأمريكية عام 1992. هذا التصور للعلاقة بين الجيش و الدولة أسس له المفكر الأمريكي صامويل هنتنغتون قبل أكثر من نصف قرن في كتابه الشهير "الجندي و الدولة" و الذي أصبح أحد المراجع الرئيسية لدراسة العلاقة بين الجيش و السلطة المدنية. هنتنغتون حدد 5 نماذج للعلاقات المدنية العسكرية أحدها هو النموذج الذي تسود في مجتمعه أيديولجية معادية للعسكرية و يفتقد الجيش فيه للقوة السياسية مع إحتفاظه بدرجة عالية من الإحترافية و الكفاءة. و قد ربط هنتغنتون بين درجة إحترافية الجيش و إبتعاده عن السياسة. و بشكل عام هذا النموذج هو السائد في أمريكا و باقي الديمقراطيات الغربية. و لا تبدو هناك إشكالية حقيقية في تطبيق هذا النموذج في الديمقراطيات الغربية لأسباب عدة أولها أن أمريكا و الدول الغربية و منذ إنتهاء الحرب الباردة لا تواجه أخطار عدائية تهدد سلامة حدودها بشكل مباشر. وفي الحالات القليلة التي واجهت هذه الدول خطراً يمس أمنها القومي بشكل جاد كما حصل لأمريكا خلال أحداث سبتمبر و ما تلاها من عمليات عسكرية خارج الحدود وقع إشتباك في العلاقات المدنية العسكرية دل عليه الخلافات بين وزير الدفاع أنذاك دونالد رمسفيلد و القيادات العسكرية الأمريكية في مرحلة ما بعد غزو العراق. أما السبب الثاني فهو أن الديمقراطيات الغربية قد حسمت و منذ نهاية الحرب العالمية الثانية صراعاتها الأيديولوجية و تخطت مرحلة التحولات الكبرى و أصبحت بوصلتها من الناحية الأخلاقية و الثقافية تدور في إتجاه الليبرالية و الحريات الفردية. فمن المستبعد اليوم أن تصل إلى حكم هذه الدول أحزاب أو مجموعات تستطيع تغيير هوية المجتمع و تفرض عليه أيديولوجية جديدة قد تؤثر على المؤسسة العسكرية.
و عندما قرر الجيش المصري الإنحياز إلى الأرادة الشعبية الواسعة و أطاح بنظام الإخوان المسلمين "المنتخب" في الثالث من يوليو الماضي وقعت الكثير من الدوائر السياسية و وسائل الإعلام الغربية في فخ الحكم على الحركة التصحيحية للجيش من نفس العدسة التي تنظر بها إلى العلاقات المدنية العسكرية في الديمقراطيات الغربية. فكان أن قرأت هذه الدوائر ما جرى في مصر على أنه خطوة سيئة و إنقلاب على الديمقراطية. لكن هذه القراءة و بغض النظر عن التوصيف التقني لما حدث في مصر (ثورة أو إنقلاب) تتجاهل الكثير من الحقائق الصلبة على أرضية الشرق الأوسط. فعلى العكس من الديمقراطيات الغربية فإن صراعات الهوية و الأيديولوجية لم تحسم بعد في المنطقة. فإذا كان من المستبعد تماماً أن تصل جماعات النازيين الجدد إلى الحكم في المانيا على سبيل المثال فإن الجماعات الدينية المتطرفة و الغير ديمقراطية بإمكانها تحقيق إنتصارات كبيرة في الإنتخابات في كثير من دول الشرق الأوسط و هو ما قد يهدد السلم الأهلي في هذه الدول و يهدد هوية و عقيدة جيوشها. و هذا نوع من التحدي لا تواجهه المؤسسات العسكرية في الديمقراطيات الغربية. كذلك فإن منطقة الشرق الأوسط ليست الواحة الأكثر أماناً في العالم فالحدود السياسية فيها كانت و لا زالت عرضة للتغييرات و للتهديدات من عدة أطراف داخل و خارج المنطقة. فدولة مثل مصر على سبيل المثال تجاور إسرائيل التي خاضت ضدها أربع حروب كما تواجه تهديدات إنفصالية و إرهابية داخل سيناء و تواجه خطراً على أمنها المائي من أثيوبيا. و تركيا تجاور دولتين في طور التفكك إلى دويلات إثنية و مذهبية قد تشكل إلهاماً للأقليات الكردية و العلوية في تركيا. بالتالي لا يمكن مقارنة العلاقات المدنية العسكرية في هذه الدول التي تقع في محيط مضطرب سياسياً و أمنياً  بنظيرتها في الدول الغربية التي تعيش في حالة من السلم على أراضيها منذ إنتهاء الحرب العالمية الثانية.
 لكن تظل المشكلة الأكبر في القراءة الغربية الحالية للعلاقات المدنية العسكرية في الشرق الأوسط هي في تجاهلها للجانب الإجتماعي و الشعبوي لهذه العلاقات و هو جانب مهم جداً اذ يذكر عالم الإجتماع الأمريكي موريس جانويتز و هو أحد مؤسسي علم الإجتماع العسكري بأنه لا يمكن فهم طبيعة أي جيش من دون فهم طبيعة المجتمع الذي ينتمي إليه. و في الشرق الأوسط تحظى الجيوش الوطنية  بدرجة كبيرة من الإحترام و الشعبية بين أوساط المجتمع تتفوق في أحياناً كثيرة على شعبية النخب المدنية. و الأسباب لهذه الشعبية تتعدد ما بين إعتماد التجنيد الإجباري الذي وسع من إنضمام كافة الطبقات الإجتماعية إلى الجيش و هذا شكل فرصة لإرتقاء الطبقات الإجتماعية المسحوقة إضافة إلى تاريخ هذه الجيوش في الحروب الخارجية. ففي مصر يوصف أفراد الجيش على الصعيد الشعبي ب"خير أجناد الأرض" إستناداً إلى الحديث النبوي الشريف يقابل ذلك في تركيا المقولة الشهيرة بأن "كل تركي يولد كجندي". فالجيش سواء في مصر أو في تركيا إرتبط في الأذهان بكونه مؤسس الدولة الحديثة عبر ثورة الثالث و العشرين من يوليو في مصر و حرب إستقلال تركيا عام 1923. و بالإضافة إلى الرصيد البطولي للجيشين في حروب مصر مع إسرائيل و حرب إستقلال تركيا فإن كل من  الجيشين مثلا أيضا قوى الحداثة و التطوير و خصوصاً في بدايات إنشاء الجمهوريتين. ففي تركيا أدخلت مجموعة الضباط في حركة تركيا الفتاة مفاهيم القومية و الدولة الوطنية الحديثة للمجتمع و ذلك عبر ثورة العام 1908 و بعد ذلك بنحو 40 عام دشن الجنرال عصمت إينونو الإنتقال الديمقراطي من حكم الحزب الواحد إلى التعددية الحزبية من دون ضغوط شعبية داخلية. و الجيش في مصر هو أيضاً قام بدور حداثي و تنويري عندما أنهى الإقطاع و أقر قوانين الإصلاح الزراعي بعد أن عجزت النخب المدنية السياسية طيلة الثلاثين عام التي سبقت ثورة يوليو في تحقيق طموحات و حقوق ملايين الفلاحين المصريين. و في كل من البلدين دائما ما كان ينظر إلى الجيش على أنه المؤسسة الأكثر إحترافية و تنظيماً و الأقل فساداً. هذه الشعبية و الثقة في المؤسسة العسكرية عبر التاريخ الحديث للبلدين أعطى تفويضاً شعبياً غير مكتوب يسمح بل و يتوقع من هذه المؤسسة التدخل سياسياً عندما يعجز السياسيون في حل المشاكل.



في مايو من العام 1960 قامت مجموعة من ضباط الصف الثاني في الجيش التركي بالإطاحة بحكومة عدنان مندريس و إعتقاله إلى جانب رئيس الجمهورية و قيادات الحكومة. تحركت هذه المجموعة من الضباط إستجابة للتظاهرات التي شهدتها المدن الكبرى في تركيا إحتجاجاً على تصرفات حكومة مندريس المكارثية و التي حظرت الصحف و أعتقلت الصحفيين المعارضين و أنشأت قبل أسابيع من الإنقلاب مفوضية برلمانية ينتمي جميع أعضائها إلى الحزب الحاكم بغرض التحقيق في ما أسمته بالتصرفات العدائية لأحزاب المعارضة و قامت المفوضية فيما بعد بتعليق المشاركة السياسية لمجموعة من أحزاب المعارضة. كل هذه الظروف إضافة إلى السياسة الإقتصادية لحكومة مندريس و بوادر تقاربها مع الإتحاد السوفييتي و التي رأى الضباط أنها تخالف المبادىء الكمالية أدت إلى تحرك الجيش للتدخل سياسياً وسط تأييد الشارع. و في كل مرة تدخل الجيش التركي فيها سياسياً لم يجد صعوبة في إكتساب شرعية لتدخله و سارع في كل مرة أيضاً إلى تسليم السلطة إلى حكومة مدنية و لم يحكم مباشرة كما في الديكتاتوريات العسكرية الكلاسيكية في أمريكا الجنوبية. و في حين أعتقد الكثير من المحللين بأن زمن تدخل الجيوش مباشرة لتغيير السلطات المدنية على غرار ما حدث في تركيا عام 1960 قد ولى من المنطقة، جاءت الحركة التصحيحية للجيش المصري أو ما يعرف الأن بثورة الثلاثين من يونيو لتعيد الحسابات. لم يستند الجيش المصري في تدخله إلى بند دستوري بقدر ما أستند إلى واجب وطني تاريخي "غير مكتوب" و لكنه مرحب به إجتماعياً و شعبياً في الإطار الغير رسمي للعلاقات المدنية العسكرية. إن نجاح الجيش المصري في كسب التأييد السياسي أو على الأقل عدم إدانة تدخله من قبل الكثير من القوى الدولية المؤثرة سيشكل دافع قوي لإعادة إحياء الصيغة القديمة للعلاقات المدنية العسكرية في الشرق الأوسط و التي تعطي للمؤسسة العسكرية حق الضبط و التوازن و التدخل السياسي من دون الحكم المباشر. و ربما تتكرر التجربة المصرية في دول أخرى في المنطقة. و قد تشهد تركيا مستقبلاً تجربة مشابهة أقل حدية خصوصاً في ظل وجود أزمات مؤجلة قابلة للإنفجار سواء داخلية كمسألة الدستور الجديد و الذي قد يغير من هوية الدولة و يزيد من حالة الإستقطاب السياسي الحاد أو تعثر مفاوضات السلام مع حزب العمال الكردستاني أو حتى تعثر عملية الإنضمام إلى الإتحاد الأوروبي و أزمات خارجية كأحتمال ظهور دولة علوية و دويلة كردية في سوريا قد تهددان الخريطة السياسية للدولة التركية.

ليست هناك تعليقات: